كتب الدكتور عادل الاسطة …في وداع بسام الشكعة
مدار نيوز : اليوم تم دفن جثمان المناضل بسام الشكعة ، كانت الجنازة تليق بشخص بترت قدماه في ٢/ ٦ / ١٩٨٠ لمواقفه الوطنية ضد الاحتلال ، حيث فجرت سيارات رؤساء البلديات في حينه بمواقفهم المؤيدة لخط م . ت . ف .
لم يكن تفجير السيارات سلوكا جديدا تسلكه الدولة العبرية ، فلطالما سلكته منذ بدايات المشروع الصهيوني ، ولن ينسى الفلسطينيون مجازر دير ياسين وقبية وغيرهما ، ولن ينسوا أيضا تفجير سيارة الكاتب غسان كنفاني .
على هامش الجنازة سألتني أكاديمية فلسطينية :
– أنت اليوم وطني لا أكاديمي .
أجبتها :
– بعين الله .
كأن المرء لا يكون وطنيا إن كان أكاديميا أو العكس .
مانت الجنازة تليق بالمرحوم ، وقد تذكرت الأيام التي تلت حادث تفجير سيارة أبي نضال الشكعة .
منذ انتخب أبو نضال رئيسا لبلدية نابلس صار ، في حينه ، الوجه الأبرز ، ويوم ذهب إلى العالم العربي ليتعالج ودعته المدينة إلى الجسر بموكب مهيب حالت القوات الإسرائيلية دون إكمال مرافقته إلى الجسر .
يومها كنت في إحدى السيارات التي سارت في الموكب ، وقبل أن نصل إلى الباذان أوقفت سيارتنا دورية عسكرية إسرائيلية ونظرت في هوياتنا وقالت لنا :
– عودوا من حيث جئتم .
وعدنا .
اليوم سرت في الجنازة لدفن جثمان الرجل .
كان الدفن بدأ في ٢ حزيران ١٩٨٠ ، واليوم ، بعد ٣٩ عاما وخمسين يوما اكتمل .
أذكر أنني في ٢حزيران ١٩٨٠ كنت في بيت خالتي أم نبيل الجوهري أنتظر اللحظة المناسبة للعودة إلى بيتنا شرقي المدينة ، وفي هذه الأثناء جاءت سيارة وهبط منها رجال بيدهم كيس بلاستيكي فيه قدما بسام الشكعة ، وقاموا بدفنها ، وقد شاركت يومها في الدفن ، وصرت أحلم بعدها بعشب ينمو على قدمي ، فكتبت قصة “الأقدام المورقة ” التي نشرتها في مجلة “الجديد ” الحيفاوية ، ثم أعدت نشرها تحت عنوان آخر هو ” مكان آخر للعشب ” .
حين صرت محاضرا في الجامعة علمت إحدى بنات أبي نضال مساق اللغة العربية وكنت غالبا ما اسألها عن أبيها ، ولم تواصل ابنته تعليمها في الجامعة ، وعلمت أنها سافرت إلى أميركا .
في الجنازة اليوم رأيت فتاة تشبه ابنة المرحوم . هل هي حفيدته ؟
كانت الحشود التي سارت في الموكب تليق بالمرحوم وبتاريخه .
واليوم شاركت في إتمام عملية الدفن . تصوروا الأمر !
تصوروا أن يدفن جزء منا قبل ٣٩ وثلاثين عاما ثم يكتمل الدفن بعدها !
آثر أبو نضال الثبات على مواقفه ولذلك عاش في الظل ولم يقع أسير الشهرة التي تتطلب غالبا تقديم تنازلات وتبدل مواقف باستمرار تتناسب وتغير المواقف السياسية.
قليلة جدا هي المرات التي زرته فيها في بيته . ربما زرته مرة مرتين ليس أكثر ، ولكني كنت باستمرار أقدر ثباته على مواقفه التي اقتنع بها .
اليوم في الجنازة قلت لأحد المرافقين إن الرجل يحترم لأنه ظل صامدا على مواقفه ولم يبدل جلده حسب المتغيرات ، وقليلون هم الذين يبقون محافظين على قناعاتهم ولا يبدلونها لمصالح فردية ومكاسب شخصية وعائلية .
اليوم عدت بذاكرتي إلى العام ١٩٨٢ وربما لمحت ابنته التي علمتها : امرأة نحيفة ترتدي السواد حدادا ومعها شابة تشبه هناء التي علمتها شهرا فقط تقريبا .
اليوم عرفت أنه مر على الحادثة الحزيرانية ٣٩ عاما .
وداعا بسام الشكعة !!



رابط قصير:
https://madar.news/?p=144682



