حمدي فراج يكتب لـ مدار :كانت امي تخشى ان تسرق الاربعينية احد اولادها
مدار نيوز : تم التعارف عليه ، أجيال وراء اجيال ، ان “الاربعينية” هي الفترة الاكثر برودة خلال السنة وخلال فصل الشتاء .
كلمة كانت تثير القشعريرة في نفوسنا و أجسادنا الصغيرة ، ربما يكون السبب وجودنا في الخيام خلال الحقبة الاولى التي اعقبت قيام دولة اسرائيل نهاية الاربعينيات وامتدادها الى اواسط الستينات الفترة التي سبقت احتلالها بقية فلسطين .
فترة الخيام التي امتدت عقدا كاملا ، افتقدت لكل مقومات الحياة الآدمية ، وكانت امي تردد : الشتاء ضيق ولو انه فرج ، فلا دفء ولا كهرباء ولا ملابس ولا أغطية ولا حتى اطعمة تسقط بعض الدفء في احشائنا ، والامر مسحوب على الخيمة وما بعد الخيمة ، تلك المنازل الصغيرة التي شيدتها وكالة الغوث لمئات الاف اللاجئين .
المدارس ايضا مكان تتسمر فيه عدة ساعات في محاولة لاستجلاب بعض دفء الزملاء حين يتم رصّنا كل اربعة في درج خشبي بارد ، ولكن هيهات . الشوارع من البيت الى المدرسة وبالعكس ، عبارة عن طرقات ترابية يغوص الاولاد في طينها واحيانا يتطلب الامر عمليات انقاذ من كبار السن لمساعدتهم في تخليصهم منها .
على مشارف الاربعينية ، في مثل هذه الايام قبل خمسين الى ستين سنة ، كنت ألحظ مسحة بؤس على محيا امي ، تخاف على اطفالها من ان تسرق الاربعينية احدهم ، كانت تستنفر بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ، “طواريء” ، ترسل شقيقتيّ الى الجبال المحيطة لجمع بعض ما تبقى من حطب الذي خلال سنوات اصبح شحيحا ، فتستعيضان عنه بالنتش ، وتجدها على فترات أطول تقوم باصلاح بعض من الملابس الثقيلة القديمة التي جادت بها الوكالة من ملابس بالية اعتدنا على تسميتها بالبكجة ، كانت الجرابين شيئا غير متعارف عليه في تدفئة اقدامنا ، ربما لأن المتبرعين بملابسهم القديمة لا يعيرونها الاهتمام الكافي لضآلتها ورخص سعرها مقياسا بالبنطلون او الجاكيت ، لكنها لم تكن كذلك بالنسبة لنا ، لأنه في الاصل ليس لدينا الاحذية الشتوية المناسبة لمثل ذاك الاختراع .
كانت الاربعينية التي تمتد على مدار اربعين يوما ، آخر عشرة ايام في كانون اول وثلاثين يوما في كانون ثاني ، تعني ان امطارا غزيرة ستهطل ودرجات الحرارة تنخفض و بروق ورعود وعواصف وريح شرقية عاتية وربما ثلوج وسيول ، في انتظار ان تنتهي على خير فيحل شهر شباط “يشبط ويخبط ورائحة الصيف فيه” فيخرج الناس ليهنئوا بعضهم بعضا من مرور الاربعينية بخير وسلام .
اليوم ، تاهت الاربعينية ، وضلت طريقها ، فما زال البعض من معارفي يلبسون “نصف كم” والبعض يتسامرون ليلا بين السماء والطارق ، وحين يضل “الزمان” طريقه ، فلا بد ان يكون هناك “ضلالا” ما في المكان ، لقد ضلت غزة طريقها الى الضفة وضلت الضفة طريقها الى غزة و في البحث عن معالم القدس العتيقة ، تكاد معالم نابلس والخليل ان تختفي .

رابط قصير:
https://madar.news/?p=161463



