اتفاق “أبراهام” بين اسرائيل والإمارات.. أبو ظبي مقابل بيروت!
بقلم: د. باسم الزبيدي : لا شك ان اتفاق تطبيع العلاقات بين دولة الإحتلال والإمارات العربية الذي أعلن عنه البيت الأبيض في 13 آب/ أغسطس 2020، الذي حمل اسم “أبراهام” هو ضربة قاسية للفلسطينيين رغم أنه ما كان ينبغي أن يفاجئ أحداً، فهو يأتي في غمرة حالة من التراجع والإنكسار التي تشهدها الساحة الفلسطينية والعربية منذ زمن.
فقد تناوبت على الفلسطينيين في العقدين الماضيين أحداث زلزالية كثيرة أفقدتهم توازنهم ودفعتهم خطوات الى الخلف، وتركت آثارها البليغة عليهم كشعب وقضية وخطاب، ونقلتهم من تهافت الى آخر ليجدوا انفسهم اليوم في حالة من الضعف والتهتك في جميع المستويات، لكن وللأسف دون أن يقوموا بإجراء أية مراجعات أو تقيمات جادة لاجتهاداتهم الكارثية بخصوص مشروعهم الوطني.
فمنذ الانتفاضة الثانية 2000 والحرب الأمريكية على ما يسمى بالارهاب وغزو العراق 2003 تراجعت قضيتهم وأصبحت في دائرة الإستهداف ليتم تفكيكها وإعادة تركيبها ونزع جوهرها، ولجعلها مجرد واحدة من بين القضايا الثانوية في المنطقة، بعد أن كانت القضية الأهم والأكثر هيبة لعقود طويلة.
فالمسألة الفلسطينية اليوم تم اختزالها بسلطة ضعيفة معدومة السيادة ومنكشفة أمام المؤثرات الخارجية وبتفاصيل معيشية لا تتجاوز عناء تأمين المرتبات مع نهاية كل شهر!
أما اسرائيل فقد استطاعت في العقدين الأخيرين، وذلك عبر تحالفاتها الدولية والاقليمية المستترة والتي يخرج بعض منها اليوم الى العلن، ان تستغل ذلك التراجع الكبير الذي طرأ على وزن ومكانة المسألة الفلسطينية في مختلف الجوانب والمستويات.
فنجحت في اللحاق بالإصطفاف الدولي والاقليمي الذي قاده بوش وبلير دوليا لمناهضة الإرهاب. وقد مكّنها ذلك من شيطنة الفلسطينيين شعبا وقضية وخطابا بوصمهم بالارهاب، بعد أن زجّت بهم في الخانة المضادة (خانة الأشرار)، ما استدعى إخضاعهم لاختبارات الجدارة الاخلاقية وحسن السلوك وأنهم ليسوا ارهابيين.
وقد أخذت تلك الشيطنة صيغة اتهام الراحل عرفات بالإرهاب والفساد واعتباره “غير ذي صلة”، ومن ثم حصاره والتخلص منه لاحقا.
وقد ساهمت عوامل فلسطينية داخلية عديدة في خدمة هذه الإستراتيجية الاسرائيلية من بينها استدراج الفلسطينيين للإقتتال (فتح وحماس)، بعد طُعميْ الانسحاب من غزة (2005) والانتخابات التشريعية (2006)، ما نقلهم الى مربع جديد من الإختلاف الذي تُوّج بالإنقسام.
وقد رافق ذلك زيادة المرويّة الإسرائيلية صلابة وتماسكا بأن الفلسطينيين أشرار وإرهابيون وينقصهم النضج والسوية الأخلاقية قبل ان يصبحوا مؤهلين للحديث اليهم حول “السلام”.
وفي تصديهم غير المدروس لهذه المروية اقترف الفلسطينيون خطييئة الجلوس كتلاميذ قاصرين قبلوا الخضوع لاختبارات جدارة وسويّة أخلاقية صاغت تفاصيلها إسرائيل والرباعية الدولية بقيادة توني بلير.
وقد كانت تلك الاختبارات أشبه ما تكون بأحجيات تدوير الزوايا عندما تمحورت حول إصلاح السلطة الضعيفة والمكبّلة بشكل يُرضي المؤسسات الدولية ولا يغضب دولة الإحتلال.
فانغمس الفلسطينيون بوضع خطط وبرامج الإصلاح والتنمية الاقتصادية والبناء المؤسسي والحكم الرشيد والتعاون الامني مع دولة الاحتلال، ولم يكن مآل تلك الجهود سوى الفشل الذريع وبعد هدر عقد ونصف من الزمن وملايين الدولارات.
في الأثناء، تمكنت اسرائيل من تصليب الحقائق الإحلالية على الأرض بما فيها الضم، وأدرجت جميع الفلسطينيين في خانة الإرهاب واتهمتهم بالسعي لا لإنهاء الإحتلال، وإنما بالسعي لنزع الشرعية عن دولة الإحتلال، سواء كان ذلك عبر استراتيجية الانضمام للمنظمات الدولية التي تتبناها حركة فتح او استراتيجية المقاومة المسلحة التي تتبناها حركة حماس او استراتيجية المقاطعة الدولية التي تتبناها حركة(BDS).
هذه هي الملامح العامة للحالة الفلسطينية التي يأتي في سياقها اتفاق “ابراهام” التطبيعي بين اسرئيل والإمارات العربية المتحدة، وهو سياق متناغم مع حالة الإنكسار والانهيار الإقليمية الراهنة.
أما اقليميا، فقد كان غزو العراق لحظة فارقة في منحنى ضعف فلسطينيين، بعد ان جلب واقعاً جيوسياسيا جديدا تواءم مع الأطماع الإسرائيلية، بدءا بتفكيك بلاد الرافدين وإطلاق العنان لطائفية مقيتة وانتهاء بتعميمها اقليميا ونشوب حروب أهلية في أكثر من بلد عربي.
وقد جاء ذلك متشابكا مع تعثّر الثورات العربية داخليا وظهور الثورات المضادة، وكذلك مع اختطاف الثورات العربية في سياق الصراع المحتدم بين طهران والرياض على النفوذ والزعامة الإقليمية. وقد أثر ذلك التنافس بين البلدين عميقا على مختلف تطورات المنطقة بما فيها المسألة الفلسطينية.
وفي إطار مسعى كل من الرياض وطهران لتحقيق التوازن فيما بينهما، نظرت الاولى الى قطر كبلد قريب من طهران فناصبته العداء وقامت (مع كل من مصر والبحرين والامارات العربية) بمقاطتها عام 2015 ، وخفّضت مستوى الدفء في العلاقة مع مسقط احتجاجا على علاقتها الحسنة مع طهران، كما استمرت الرياض بدعم القوى والجماعات والدول المناهضة للنفوذ الايراني في المنطقة ككل.
اما طهران فقد مدّدت نفوذها ووسّعته وسيطرت على ما أسماه عاهل الأردن يوما بالهلال الشيعي الذي أشرف عليه قاسم سليماني وعزز فيه حضور ايران، حيث أحكمت سيطرتها على أربعة عواصم عربية هي بغداد وصنعاء ودمشق وبيروت.
وقد رأت الرياض ومعها دول الخليج الأخرى بذلك تهديدا جديّا، خاصة بعد أن أسست طهران ميليشيات قتالية موالية لها، وهي مليشيات لا ينبغي الاستهانة بقدراتها، فقد استطاع الحوثيون، على سبيل المثال ، شن هجمات موجعة على السعودية كان آخرها الهجوم على شركة أرامكو السعودية في سبتمبر 2019، بأسلحة ايرانية.
وللحفاظ على أمنها من “خطر طهران”، عززت الدول الخليجية من تحالفاتها العسكرية والأمنية مع الولايات المتحدة، وفتحت أراضيها لتعاون عسكري مع لندن وباريس واستنبول.
أما اسرائيل فقد وجدت ضالّتها في حالة الاستقطاب والتوتر القائمة اليوم بين محوريْ طهران والرياض وامتداداتهما، فهذه الحالة تمثّل بالنسبة لتل أبيب فرصة ذهبية اختارت استثمارها عبر توقيع اتفاق “أبراهام” مع دولة الإمارات العربية، وهو اتفاق ترغب عبره اسرائيل بتحقيق أمرين، الأول: مزيد من الاختراق للساحة العربية وتفتيتها ونزع قدرتها على مؤازرة الفلسطينيين للإجهاز على ما تبقى من حقوقهم، والثاني: رفع باروميتر المكاسرة مع طهران، والرغبة بإغلاق حساب قديم معها تعود جذوره الى حرب 2006 بين اسرائيل وحزب الله ، لتستطيع تل أبيب القول: أبو ظبي هي اليوم مقابل بيروت!
رابط قصير:
https://madar.news/?p=184665



