“مخبز البنات الست”.. أُسرةٌ تؤسس مشروعها داخل منزلٍ صغير بغزة
عندما يكون النجاح مشتركاً بين أفراد العائلة الواحدة، وقائماً على العمل والتعاون، يكون له مذاق خاص وشكل مختلف، وهذه حال أُسرة داوود البوجي في قطاع غزة، التي نجحت في تأسيس مشروعها الأول من نوعه داخل منزل صغير، وسط مخيم الشاطئ للاجئين غربي مدينة غزة.
كانت أُسرة الشاب البوجي البالغ من العمر 44 عاماً، وتخرّج من الجامعة بتخصّص فني أسنان، لا تعرف الاستقرار، وكانت البداية معه، فقد كان ينتقل من عمل ٍإلى آخر محاولاً كسر حلقة البطالة، إلى أن هدد مرض الغضروف حركته وجعلها محدودة، ما تسبب في حرمانه من مزاولة العديد من الأعمال التي تحتاج للحركة.
لكن داوود البوجي كان يؤمن أن النجاح لا يأتي دون المرور ببعض العقبات، لكن لا بد من الإصرار والتعاون والرضا لتجاوز هذه العقبات وتحقيق النجاح.
يقول داوود البوجي لـ”القدس” وعيناه ترحلان إلى الماضي: سافرتُ إلى أكثر من 36 دولة منذ سنوات، فقد كنت أعمل في السعودية بقطاع السياحة والسفر، وتحديداً في مجال الفنادق، وعندي هواية وحب في إعداد الطعام والحلويات لدرجة إتقانها، وعام 2013 جئت لزيارة أهلي، وأُغلق معبر رفح وقتها، وشاءت الاقدار أن تنتهي تأشيرتي ولم أستطع السفر والعودة، فقررت البقاء والبحث عن عمل بغزة، ولأني لا أملك مهنة أو حرفة، ولا يوجد شغل سياحة بغزة، بدأتُ حياتي العملية متنقلاً من عملٍ إلى آخر حتى استقررتُ منذ أربع سنوات كعامل ديلفيري أقوم بتوصيل الطلبيات للناس، إلا أنّ إصابتي بالغضاريف أفقدتني مقدرتي على ممارسة هذا العمل، وفي غزة لا توجد فرص عمل.
تنهد البوجي وتابع حديثه: وبدأتُ أبحث عن حلٍّ في ظل أوضاع القطاع الخانقة، وأبحث عن مصدر دخل ثابت نعتاش منه أنا وأُسرتي بعيداً عن كفاف الناس، فجاءت فكرة المخبز من منطلق أنني وعائلتي نحب إعداد الوجبات السريعة، وبناتي يساعدن أُمهنّ في تحضير الطعام، وهذه هي المهنة التي نتقنها، ولأنني ماهرٌ في إعداد المخبوزات والحلويات على اختلاف أنواعها.
وبالفعل استطاع البوجي داخل منزله الصغير اقتطاع غرفتين وتحويلهما إلى مطعم.
ويواصل البوجي جكايته قائلاً: بدأ مشروعنا في نيسان من هذا العام لمواجهة الضائقة المادية، ورويداً رويداً استطعنا تصميم مخبز متنقل، وببساطة كان عبارة عن صندوق ارتفاعه متر وعمقه 70 سم، يحمل حافظةً للأكل وفرناً صغيراً أتنقّل به على دراجة نارية بين الأماكن العامة كالحدائق والميناء والبحر، وأخرج يوماً واحداً في الأُسبوع إلى دير البلح وخانيونس كنوعٍ من التشجيع للبنات، ولزيادة الالتمام حول فكرتنا، والحمد لله الإقبال ممتاز، لدرجة أن غيابي يترك أثراً، ويسال الجميع عني، وكنتُ سعيداً جداً بهذا العمل، إلى أن حلت جائحة كورونا لتزيد الأوضاع سوءاً، وتأثرنا كلنا بها، إلى أن عدتُ إلى سكة العمل مع تخفيف الاجراءات التي فرضتها علينا الجائحة، لكن هذا العمل لم يكن مجدياً، فقمنا بتقديم خدمة التوصيل للمنازل وبالالتزام بالإجراءات الوقائية من الفيروس.
قصة الاسم..
ويستمر في حديثه: وراء الاسم قصّة شيّقة، تبدأ من كون عائلتي مؤلفة من ست بنات، أنا وزوجتي هدى وبناتي السبب وراء التسمية لأنهنّ كنّ الدافع والعجلة المحركة لنجاح المشروع، فكلٌّ منهنّ تعرف مهمتها ودورها الذي يساندنني فيه، ويواجهن المجتمع والناس ويطورن أيضاً من شخصيتهن، وأنا أعتبرهن صديقاتي، وأُعطيهن حريتهن، ودائماً أُثني على جهودهن، وأُشجعهن على العمل، وهذا ما زاد ترابطنا، إضافةً إلى عملنا سويا في المخبز وحرصي على تطويرهن وتعليمهن لأن الحياة العملية أكبر مدرسة.
بدت الأم هدى (34 عاماً) مثابرة مجتهدة ، حيث سعت إلى المزيد من النجاح عبر تنظيم أوقات بناتها من خلال جدول تلصقه على الحائط ترتب فيه أوقات الدراسة والعمل والنوم والطعام واللعب، مع تجديده من وقتٍ إلى آخر لكسر الملل والرتابة، لتكون لديها القدرة على التوفيق بين مهامها المنزلية وواجباتها وبين مساعدتها زوجها في العمل والانتاج لتوفير لقمة العيش.
ويقول البوجي لـ”القدس”: نعمل كيد واحدة، فبعد عودة البنات الست من المدرسة يدرسن وينهين واجباتهنّ الدراسية، ويتوجهن إلى “مخبز البنات الست”، حيث تقوم مريم ابنة الـ14 ربيعاً، وهي قائد فريقنا، بتوزيع المهام على أخواتها رؤى (13 عامًا)، ومرام (12 عامًا)، ورؤيا (10 أعوام)، ومروة (6 أعوام)، وأمل (عامان)، كل حسب قدرتها ومهارتها، ليتوزعن كل واحدة على مكانها يعملن بروح الفريق وبيد واحدة ونفَسٍ واحد دون كلل أو ملل.
ويكمن السر الأكبر لنجاح أُسرة داوود البوجي في كونها تعمل كفريق عمل موحد، حاولت إيجاد الحلول لمشكلاتها بشكل عملي من خلال مشروع مميز، وهو الأمر الذي تسبب في نجاح العائلة ومخبزها.
“القدس”دوت كوم- روان الأسعد
رابط قصير:
https://madar.news/?p=193292



