الشريط الأخباري

الزلزال يقترب ..كتب عماد الاصفر

مدار نيوز، نشر بـ 2021/11/14 الساعة 8:31 صباحًا

 

مدار نيوز

كانت مدينة نابلس عموما، وآل المصري خصوصا، على موعد مع عدة حفلات زفاف، يوم الاثنين الحادي عشر من شهر تموز لعام 1927، فقد كان مقدرا للشاب معزوز ابن بدوي درويش المصري وفضيـة الدويكات من بلاطــة، ان يتــزوج من ابنة عمه رشدة طاهر المصري، ليصبح عديلا لشقيقه عبد العزيز الذي تزوج شهرات اخت رشدة. واما ابن عمه نايف فانه سيتزوج سيدة مقدسية من آل الانصاري، فيما سيتزوج ابن عمه الثاني حكمت من ابنة الحاج احمد الشكعة.
عند الثالثة من بعد ظهر ذلك اليوم ضرب المدينة زلزال تراوحت قوته بين سبع وثماني درجات.
يؤكد طاهر المصري رئيس مجلس الأعيان السابق ورئيس وزراء المملكة الأردنية الهاشمية لمرتين، ان الزيجات تمت في بحر ذلك العام الاسود، ويروي الاستاذ الدكتور وائل ابو صالح ان عام الزلزال اصبح واقعة للتأريخ فيقول ان أمه ولدت قبل الزلزال بعامين.
لم يكن هذا الزلزال على شدته هو الاول الذي يضرب المدينة وفلسطين عموما فحسب احصاء نشرته صحيفة الوسط يمكن ملاحظة الكوارث التالية :
قبل الميلاد بالفي عام دمر زلزال مدينتي سدوم وعمورة. ودمر زلزال مماثل مدينة قمران قبل الميلاد بثلاثين عاما، وضرب زلزال قوي عدة مدن فلسطينية بعد ذلك بعامين، وشهدت فلسطين بعد الالفية الاولى ثلاثة زلازل ادت الى امواج عاتية تضررت منها مدينة عكا وبلغ ضررها منطقة الاغوار، وكان اشدها زلزال كبير ضرب نابلس سنة 1189 ميلادية، فهدم مبانيها، ومات تحت انقاضها ثلاثون ألفاً من أهلها. ومن القرن الثالث عشر وحتى التاسع عشر تعرضت فلسطين لخمسة زلزال أدى احدها الى تدمير مدينة طبريا.
بحدود العام 1927 وبحسب احصاءات الاحتلال البريطاني كان عدد سكان نابلس يراوح الـ 16 الف نسمة، موزعين على الديانات الاسلامية والمسيحية والسامرية، وفي يوم الزلزال كانت عائلة العكيلك المنحدرة من اصول الاشراف الحسينيين، تحتفل ايضا بزواج احد ابنائها، رجال ونساء واطفال العائلة الكبيرة تجمعوا في حارة الحبلة موزعين على السلملك والحرملك، يطبخون وينفخون ويهزجون ويأكلون، تصدعت واجهات منازلهم ودكاكينهم وتدحرجت احجارها مع قدور واواني الطبخ وجهاز العروسين، كانت هذه العائلة الاكثر تضررا بالارواح والاموال.
الزلزال الحق دمارا كبيرا بحي الياسمينة التاريخي الجميل، والذي نجا منفردا من زلزال سابق، ابناء الديانة الرابعة، السامريين، الذين كانوا يقطنون تاريخيا في ذلك الحي، اجبروا على الانتقال غربا حيث عاشوا خمسين عاما قبل ان يحط بهم الرحال على طور جرزيم.
تراوحت التقديرات لعدد ضحايا الزلزال بين 100 و 303 قتلى واكثر من 350 جريحا بينهم ستون اصيبوا بجروح خطرة، قائمة المتبرعين بحسب اوراق وملفات بلدية نابلس شملت رؤساء بلديات يافا والناصرة ودمشق وحماة واهالي عرعرة وسعد زغلول .
الاستاذ ابو صالح اشار في بحث له عن الزلزال “أن بعض الموسرين من أبناء فلسطين حجبوا مساعداتهم عن المنكوبين، متذرعين بأن زلزالا آخر سيحدث في غضون ستة أشهر، وهناك فريق آخر حصروا مساعداتهم في قلة تخصهم، وعن هؤلاء كتب الاديب خليل السكاكيني مقالة بعنوان صدى الزلزال وجاء فيها “ماذا فعلت الزلزلة؟ أهدمت بيوت الفقراء؟! ،… ولكن ألا يهدم سادتنا الاغنياء كل يوم بيتا من بيوت الناس ليقيموا في دور جُبِل ترابها بدماء الفقراء!! من من أغنيائكم باع سيارته الفخمة أو وضع جانباً من دخله ولو قليل في سبيل هذه النكبة… أين المعنيُ الذي قصدته لجنة الاغاثة فلم يشك ولم يعتذر بل مد يده الى خزانته الحديدية فتناول مبلغا من فضلة حاله؟!!! لا لم يعمل اغنياؤكم من هذا شيئا”.
كان ابراهيم طوقان العائد من الجامعة الامريكية ببيروت لقضاء عطلة الصيف في كنف العائلة شاهدا على الزلزال، انهار جزء من سقف غرفته وكاد يودي بحياته، وظلت شقيقته فدوى قلقة على الدوام من احتمال فقدانه فقد كان معينها الوحيد في نلك البيئة المحافظة حد التشدد وظلم الانثى.
كتب طوقات لصديقه الاديب اللبناني عمر فروخ (الملقب بصريع الغواني سيرا على درب مسلم بن الوليد) رسالة بتاريخ 22 تموز من عام الزلزال جاء فيها:
نابلس المدمرة
أخي صريع الغواني
حزت كتابك وبه تسأل عن تأثير الزلزال علينا فالعائلة جميعاً، أعني الأرواح، لم تُصب بسوء، وقد كان الضرر في ثلاث غرف اقتضى تنزيلها لدى الفحص الهندسي. وهناك معمل الصابون، فقد خسرنا الطابق العلوي بأجمعه. وتقدر الخسارة المادية بقيمة 300 جنيه. أما المدينة فقد تدمرت بكل ما في هذه الكلمة من معنى، فلا دار إلا وهي مهدومة أو بحاجة إلى الهدم أو إلى إصلاح يربو على نصف قيمتها. وقد كان عدد القتلى بين 100 و125 نفساً، والجرحى بين 300 و400 منهم نحو 50 في حالة خطر. وأهل المدينة الآن في خارجها يسكنون بيوتاً خشبية أو خياماً، ومنهم من هاجر، وقد تحول البيع والشراء أيضاً بطبيعته إلى خارج المدينة. هذا وأشكرك على عواطفك ورجائي المعذرة على تقصير الكتاب وقصوري في رسميات المكاتبة من حيث الورق فنحن (منكوبون) وليس على المنكوب حرج، ولا يوجد دكاكين مفتوحة للأشياء الثانوية.
راقب الأحرار المصورة فسأبعث لها قصيدة بوصف الحالة الحاضرة ونكبة الزلزال. ولا رأيت مكروهاً أخي.
التوقيع: إبراهيم طوقان
واما القصيدة المشار اليها في الرسالة فقد جاءت بعنوان كارثة نابلس
لا تقف سائلا بنابلس الثكلى فما عندها مجيب سؤال
أرأيت الطيور تنفر ذعراً من خفاف عن سرحها وثقال
هكذا نفرت عن الدور أهل عمروها، الى كهوف الجبال
أرسوم وكن قبل صروحا كلّ صرح عات على الدهر عال
فالتحفنا السماء بعد ستور وشفوف مذللة وحجال
وليالي الأعراس يا لهف قلبي عطلتها تقلبات الليالي
رب واد كأنه النهر الاخضر يختال في برود الجمال
كان واديك للسرور مآلا فغدا بالثبور شر مآل
ههنا أسرة تهاجر والخمل بديل الاثاث فوق الرحال
ههنا مبتلى يفقد ذويه ههنا معدم كثير العيال
ملأ الحزن كلّ قلب وأودت ريح يأس بنضرة الآمال
دخلاء البلاد، ان فلسطين لأرض كنوزها من نكال
تبرها صفرة الردى فخذوه عن بنيها، وآذنوا بارتحال
واضح ان السكاكيني يختلف عن طوقان، وواضح ان نابلس لم تعد الشام الصغرى، لقد توسعت كثيرا وتراكمت مبانيها وتقاربت حتى اصبحت غابة اسمنتية تثير الضيق والحنق، تزدخم شوارعها بالباعة والعربات والسيارات، لا بهجة في اسواق المدينة، ولا راحة في قسمات ووجوه ابنائها، ولا تسامح بين سائقيها، كل واحد فيهم يطلق العنان لبوق سيارته دون تمهل وللسانه دون تفكير ، نابلس مكفهرة للاسف.
وللاسف ايضا فان تقديرات الجيولوجيين تشير الى ان الزلازل تتكرر بتناوب قد يتباعد، فبحسب الخبير جلال الدبيك فان زلزال نابلس يتكرر كل 100 عام واما زلزال طبريا فانه يتكرر كل 500 عام، نابلس كما المدن الاخرى في عالمنا الثالث لا تستعد للغد، ومن الواضح انها لا تضع في حساباتها زلزالا لا سمح الله، لو كانت تضع ذلك في حساباتها لما تطاول بنيانها وتقارب بهذا الشكل المؤذي بصريا ونفسيا والضار وغير الآمن جسديا.
الصورة من مكتبة الكونغرس الامريكي لتوابع الزلزال وما احدثه في قصر المشتى باريحا

رابط قصير:
https://madar.news/?p=224837

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات

آخر الأخبار