الشريط الأخباري

“ريّان” و الوطن البئر .. بقلم : حمدي فراج

مدار نيوز، نشر بـ 2022/02/07 الساعة 8:18 صباحًا

أغلب الظن ان الطفل المغربي “ريّان” ذو الخمس سنوات ، والذي سقط في بئر بعمق 32 مترا ، قد مات منذ الساعة الاولى ، إن لم يكن جراء السقطة السحيقة ، فيكون جراء الكسور التي لحقت بجسده الطفل ، او جراء الالم الذي طغى على روحه المتكسره في هذا المنفى العميق ، او بحلول الظلام ، ظلام الليل وظلام البئر وظلام الوجع و ظلام الخوف ، وظلام البرد وظلام الوحدة وظلام الجوع ، وكل الظلامات التي خلقها ربنا.

اين وطني لينقذني ليسعفني ليطعمني . أمي فقط ، تلمسني فتحييني . (قال مظفر النواب : يا وطني المعروض كنعجة صبح في السوق) . بعد خمسة أيام من النقاشات والاقتراحات والاختلافات و الجدالات ، قرروا ان يحفروا بئرا بمحاذاة البئر و بنفس العمق اكثر قليلا ، ثم نفقا الى حيث يرقد ريان .

لو وقعت هذه الحادثة قبل خمسين سنة ، كان سيتنادى اهل القرية فيحضروا حبلا طويلا وطفلا رفيعا فينزلوه الى حيث ريان ، ثم يسحبوه ليربطوا به دلوا او قفة او سلة قماشية “خريطة” ، فيضع ريان فيها . كان يمكن ان لا يستغرق ذلك اكثر من ساعتين او ثلاثة . أما ونحن امام امكانيات الدولة العصرية فان الامر استغرق خمسة ايام ، لماذا لم يستخدموا ريبوتا او انسانا آليا .

بل لماذا اكاذيب اننا اطعمناه واسعفناه ؟؟ حال ريان كحال فلسطين التي سقطت في بئرها منذ 74 سنة ، بل منذ وعد بيلفور قبل 105 سنوات ، تزاحم العرب على انقاذها بالزعيق والصراخ والخطاب والشعار ؛ بالوحدة طريق العودة ، ام بالعودة طريق الوحدة ، حتى انقضّت اسرائيل على البقية الباقية منها في حرب الايام الخمسة او الستة ، (حسن نصر الله يقول ست ساعات) والضجيج العربي الذي صاحبها من انها مجرد نكسة ، واليوم أسقطوا انقاذها او تحريرها من حساباتهم بالمطلق ، وانتقلوا للاختلاف ان كان السلام هو طريق التطبيع ام التطبيع هو طريق السلام .

حال ريان كحال فلسطين ، يخرج نعيه من القصر العربي ، حال الوطن الكبير صراخا وعويلا ودعاءا أن ينقذه الله ، كيف ينقذه وهو ميت ؟ (عبد اللطيف عقل قال : وقتلنا القدس حبا . قالوا صباحا فداها العيون ، وداسوا على رأسها في الظهيرة) .

لقد جردنا ريان من ثيابنا وكشف حقيقة خوائنا المطبق . كان كل همه ان يقول لكم اوقفوا الات حفركم وضجيجكم وصخبكم وصراخكم وصلواتكم وادعيتكم و بثكم المباشر ، كل هذا لا ينقذني ، اريد ان اموت بهدوء ، انا الذي كان يبعدني عنكم ثلاثين مترا ، الآن اريد ان ابعدكم عني بعد الدنيا عن الآخرة .

سيقول السياسيون والمحللون الذين يتنفسون من رئة الطاغية : انه مجرد طفل بين عشرات الاف الاطفال الذين يموتون كل يوم قصفا عربيا .

و سيدخل الداعية على خط الطاغية : هذا قدر الله ، ولا حذر في قدر ، لقد اختاره الله لانه أحبه ، سيشفع لوالديه يوم القيامة . في انتظار ريان آخر من قطر آخر في بئر آخر . لا تحزن يا ريان ، فكلنا في الوطن البئر ، وعاش المليك .

رابط قصير:
https://madar.news/?p=232669

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات

آخر الأخبار