الشريط الأخباري

هل تحيل إسرائيل السلطة للتقاعد؟ بقلم جمال زقوت

مدار نيوز، نشر بـ 2022/09/14 الساعة 1:49 صباحًا

مدار نيوز \

لم تشهد القضية الفلسطينية منذ مئة عام مثل هذا الانسداد ومحاولات فرض العزلة عليها، فنكبة عام 48 سرعان ما تلتها ثورة تموز/ ‏يوليو في مصر، ومن ثم بدء تشكل حركات المقاومة منذ أواسط الخمسينات، أما المجموعة التي ظلت صامدة على الأرض فلعبت ‏دوراً محورياً في حماية الهوية، وبعد هزيمة عام 1967 كانت معركة الكرامة، ورغم أيلول الأسود ظل العرب مساندين للقضية ‏الفلسطينية، وتدريجياً بدأ مركز الحركة الوطنية يتلمس الطريق نحو الوطن، صمود بيروت ورغم الخروج الكبير منها أثمر أكبر ‏وأهم انتفاضة في التاريخ الفلسطيني عام 1987.‏
‎ ‎
بديل ما بعد هزيمة المرحلة

في كل منعطف كان لإعادة استنهاض العامل الذاتي الأثر الحاسم لإبقاء القضية حية، وإفشال مخططات التصفية. وراهناً يمكن ‏القول بأن من لديه غيرة وطنية حقة فهو أمام خيار وحيد، وهو الانخراط في بلورة حركة سياسية جديدة قادرة على تقديم البديل ‏لما بعد هزيمة المرحلة، وبروح وطنية جامعة الاتجاهات والجغرافيا لاستنهاض مشروع وطني لكل الفلسطينيين أينما وجدوا ‏وبغض النظر عن تبايناتهم السياسية والفكرية، فذلك عنصر قوة وليس مظهر ضعف.‏

دولة فوق المساءلة
‎ ‎
لا يكاد يمر يوم دون أن ترتكب قوات الاحتلال عملية اقتحام وقتل مواطنين فلسطينين على مجرد الشبهة سيما في حزام الشمال ‏وخاصة “جنين ونابلس”، دون أن تحسب أي حساب للمساءلة، فهي تعتبر نفسها وجنودها فوق القانون، بل، فقد تحدى رئيس ‏حكومة الاحتلال لبيد الإدارة الأمريكية ذاتها عندما ألمحت لأهمية المحاسبة. يجري ذلك دون أن تحرك القوى المهيمنة على ‏المشهد الانقسامي لسلطتي رام الله وغزة ساكناً، وصلت حد ترك حركة حماس للجهاد الإسلامي وحيدة في مواجهة الحرب التي ‏أعلنها جيش الاحتلال ضد قطاع غزة. فما تسرب من معطيات يشير إلى أن حكومة الاحتلال كانت قد بدأت عدوانها ضد ‏القطاع، بعد أن كانت متيقنة أن حركة حماس لن تتدخل، وستترك حركة الجهاد وحيدة، تماماً كما فعلت بعد اغتيال إسرائيل للقائد ‏العسكري في الحركة” بهاء أبو العطا” عام 2019.‏
‎ ‎
صمت حماس والرهان على البديل

حماس تنتظر الجائزة، والتي لا تقتصر على صفقة لتبادل الأسرى، ويبدو أنه لم يعد أمام تنفيذها عائق حقيقي، سوى تمرير ‏الانتخابات الإسرائيلية، فكلاهما “لبيد چانتس”، ونتانياهو يتبنيان نظرية تمكين سلطة الأمر الواقع لحركة حماس “الأمن مقابل ‏الاقتصاد”، كي تستمر حالة الانقسام لغسل اليد تماماً وبأيدٍ فلسطينية من مسألة إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة على ‏حدود عام 1967، وكلاهما أي فتح وحماس يدركان تماماً هذه الحقيقة، بل ويرددان أنه لا دولة بدون غزة ولا دولة في غزة، ‏ومع ذلك يتركان حالة الانقسام دون حل، رغم ما سبق وقدم لكليهما من حلول تستند لمعادلة “لا غالب ولا مغلوب”، لإنهاء كارثة ‏الانقسام يرتكز جوهرها على طي مرحلة الانفراد بالحكم وبالقرار الوطني من قبل أي منهما، والدخول في عملية سياسية ‏متدرجة تقوم على إقامة حكومة وحدة وطنية تمهيداً لإجراء انتخابات عامة، وتوحيد مركز القرار الوطني بمشاركة حركتي ‏حماس والجهاد في صنعه داخل هيئات منظمة التحرير القيادية باعتبارها ائتلافاً جبهوياً وممثلاً وحيداً لشعبنا، وطي صفحة ‏الاحتراب على التمثيل بين قوى الانقسام، والتي شكلت مقصلة دامية لمكانة الحركة الوطنية ومنظمة التحرير، ووضعت القضية ‏الوطنية أمام خطر التصفية الجدي.‏
‎ ‎
إخراج غزة من المعادلة الديمغرافية للصراع

حكومة الاحتلال الراعي الحصري للانقسام تقدم الجوائز لحماس، وفي نفس الوقت تبرر اجتياحاتها لمدن الضفة بضعف السلطة ‏الوطنية وعدم قدرتها على القيام بالتزاماتها في مواجهة النهوض الشعبي وعمليات المقاومة المسلحة بطابعها الفردي ضد ‏الاحتلال، وأحياناً داخل الخط الأخضر. السؤال الجوهري هو إلى أين ستذهب حكومة الاحتلال بهذا الواقع الذي خلقته، وهي ‏تدرك تماماً خاصة مؤسستها الأمنية، أنها في الوقت الذي قد تكون فيه قادرة على ترويض القوتين المهيمنتين على المشهد ‏الفلسطيني لخدمة أهدافها، إلا أنها لن تستطيع ترويض وإخضاع الشعب الفلسطيني وإرادة الحرية لديه. مكونات النظام السياسي ‏الأساسية في إسرائيل، والتي انجرفت بصورة واسعة نحو اليمين وأقصى اليمين، تُجمع على رفض إنهاء الاحتلال وتمكين ‏الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره، وهي تراهن على الزمن واستعصاء حالة الانقسام لترسيم وقائع جديدة أساسها إخراج ‏المليوني فلسطيني في القطاع من معادلة ما تعتبره “الخطر الديمغرافي” على مستقبل إسرائيل، ومسألة الدولة الواحدة، كما تراهن ‏على إمكانية تحوُّل اليأس والإحباط الشعبي لحالة مزمنة قد تمكنها من فرض الأمر الواقع، أو على الأقل امتلاك مساحة زمنية ‏لعقود قادمة في الضفة الغربية، كما سبق وألمح بذلك موشي أرنس قبل سنوات، بانتظار تغيرات إقليمية واسعة.‏
‎ ‎
نحو انتفاضة متدحرجة

إسرائيل وكما في كل محطات الصراع الرئيسية تفشل أو لا ترغب في قراءة حقيقة واقع الشعب الفلسطيني، وعناده الأسطوري ‏لانتزاع حريته، وحقه في تقرير مصيره، حتى في ظل ما يجري من تفكك للحركة الوطنية. إن ما يجري في الواقع هو بمثابة ‏بروڤات متواصلة لانفجار كبير قادم، تفوقت فيه العوامل الموضوعية على ما سبق الانتفاضة الكبرى “ديسمبر/كانون أول ‏‏1987″، بينما قواه الذاتية والمحركة تنضج يومياً ببطء شديد، ولكنها تقترب تدريجياً نحو انتفاضة شاملة، ولعل هذا هو الفارق ‏الجوهري بين مرحلة ما قبل الانتفاضة الكبرى واليوم، فاندلاع انتفاضة متدحرجة نحو الشمولية والانتشار سيعني بكلمات ‏أخرى نجاح الحراكات والقوى الناهضة في بلورة حركة وطنية جديدة تقود الكفاح الوطني، مستندة هذه المرة على الوطنية ‏العابرة للفصائلية، بل وربما بديلاً جامعاً لانهيار راهنها الانقسامي.‏
‎ ‎
الوحدة الوطنية أو حركة وطنية متجددة

ادعاء المهيمنين على السلطة الفلسطينية الحكمة في هذا الزمن الهائج مزحة ثقيلة، فالعالم الذي يزداد توحشاً لا يرحم الضعفاء، ‏وعدالة قضيتنا لا تكفي. بناء القوة الذاتية يتناقض مع استمرار الانقسام الذي مكَّن حكومة الاحتلال من المناورة الواسعة لتهميش ‏قضيتنا والانقضاض على حقوق شعبنا، كما أن الانقسام وغياب مرجعيات المساءلة الداخلية ساهم في انتشار الفساد وسوء ‏الإدارة في مؤسسات السلطة، التي تتحول تدريجياً “لدولة بوليسية” تتغول على حقوق المواطنين، وأسس المواطنة بكل أبعادها ‏الاقتصادية والاجتماعية والمدنية. البديل إما الوحدة الوطنية فوراً، أو حركة وطنية متجددة تنطلق من روح وضمير الشعب ‏وتضحياته في أزقة المخيمات والأحياء الفقيرة في المدن والبلدات والقرى لتصون حقنا في البقاء، وتوفر متطلبات صمود ‏الشعب، وتستنهض كامل طاقاته في معركة التحرر والبناء والاستقلال الوطني.‏

رابط قصير:
https://madar.news/?p=254665

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات

آخر الأخبار

أسعار صرف العملات

السبت 2026/03/28 9:36 صباحًا

قتيل في قصف إيراني على تل أبيب

السبت 2026/03/28 12:52 صباحًا