عندما تصبح الفئران أكثر إنسانية! حكاية مقاومة في غزة .. مريم مشتاوي
نابلس \ مدار نيوز \
شهدت غزة من الموت والظلم والاغتصاب والتعذيب والتشرد والنزوح ما لم يشهده العالم أجمع، على مدى العصور. لقد تفنن الاحتلال الإسرائيلي بجنوده وقيادته بتحديث آخر آليات القتل. كما تركوا العنان لمخيلاتهم في ابتكار وسائل «صدمت» العالم وما زالت على مر الأيام والساعات والدقائق والثواني، من يخطر له اغتصاب رجل عجوز أو شاب بالعصا؟ من يخطر له دعوة الكلاب لاغتصاب أسرى؟ من يهدي خطيبته بمناسبة عيد الحب مشهد تفجير مبان على رؤوس أطفالها؟ وكيف يتلذذ الجنود بمشهد مهاجمة الكلاب المسعورة لشاب صغير من ذوي الاحتياجات الخاصة؟ لا يمكن إحصاء الجرائم التي أبدعوا بتصديرها للعالم المتخاذل والخامد في غيبوبة معيبة!
لكن حين سقطت الإنسانية استفاقت الفئران. هكذا تسربت الفئران الكبيرة ليلاً وقررت الانتصار لأطفال غزة، وذلك بعد أن قهرتها كلمات الإدانة التي يتفوه بها القادة العرب على المنابر، تاركين الأطفال غارقين في دمائهم، فهاجمت تلك الفئران جنود الاحتلال أثناء نومهم في قاعدة «عميعاد» العسكرية في الجليل الأعلى، لكن بعد قضمها لأنوفهم وآذانهم شعرت بالقرف وغادرت تاركة هؤلاء الوحوش غارقين في دمائهم! صور الجنود انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي ليصرخ روادها «تحيا الفئران».. نعم تحيا الفئران الشجاعة!
لقد انتصرت لنا بصمت، ولم تتحدث عن ذلك الهجوم في الإعلام لأسابيع طويلة، ولم تعرض قوتها على شاشات التلفزيون، ربما يتساءل البعض عن قدرة تلك الفئران على مواجهة العدو.
في الحقيقة هي صغيرة جداً مقارنة بأنوفهم الكبيرة، لكن تعرف الليل وتصادقه منذ زمن طويل وتعرف قواعد الهجوم. نعم، قد يبدو الأمر مضحكًا أو حتى سخيفًا في البداية، لكن دعونا نغوص أعمق.
تلك الفئران، التي لطالما كانت رمزاً للقذارة والخوف، أصبحت الآن أنظف من وأوفى وأكثر إنسانية وأخلاقاً من حكام معظم دول العالم «المتحضر». وإن كنا نعتقد أن الدبابات والصواريخ هي ما يحقق النصر، فنحن بحاجة إلى إعادة التفكير. إن ما حققته الفئران، بقدرتها على التكيف والصمود في وجه ظروف مستحيلة، يتجاوز أي تكنولوجيا عسكرية.
دعونا لا ننسى، أن الفئران كانت دائمًا تعيش في الظل، تزحف في الظلام، تجمع الفتات، وتستمر في البقاء، حتى في أعتى الظروف. ربما يكون هذا هو الدرس الذي علينا جميعًا تعلمه. الاحتلال استخدم كل أنواع الأسلحة الفتاكة والتكنولوجيا المتقدمة، لكنهم نسوا أن الفئران تعيش وتنمو في الحفر، تختبئ بين الركام، ولا يمكن القضاء عليها بسهولة.
إنهم لم يتوقعوا أن الفئران ستظل تتكاثر وتتحرك بحرية بين الأنقاض، تمامًا كما يتجاوز الشعب الفلسطيني كل حدود الظلم والاضطهاد. الفئران تعرف كيف تتكيف مع الأوضاع الصعبة. لقد تعلمت تجنب المصائد، إنها تخرج من الأنفاق بطرق لا يمكن أن يفهمها العدو.
ربما الفكرة تهكمية، لكنها تحمل حقيقة مرة. إذا كانت الفئران قادرة على البقاء، لماذا لا نكون نحن؟ إذا كانت الفئران قادرة على تحويل الخراب إلى فرصة، أليس حريًا بنا أن نفعل الشيء ذاته؟.
في النهاية، ربما قد تنتصر لنا تلك الفئران الطيبة. وقد تعلمنا أن البقاء ليس لمن يملك القوة الأعظم، بل لمن يملك القدرة على التكيف والصمود. الفئران الصغيرة، التي لم يلاحظها أحد، هي من تلقننا الآن الدروس الأكثر أهمية في الحياة، وهي أن النصر ليس فقط في القوة العسكرية، بل في البقاء، والاستمرار، وفي التمسك بالحياة حتى في أحلك الظروف.
أصابع الألم الصغيرة
هل تحركت تلك الفئران حين شاهدت محمد، ذلك الطفل الصغير صاحب الأعوام الأربعة؟ محمد، ذلك الملاك الصغير من غزة، لم يكن يعرف لماذا تقصف أرضه يومياً، ولا يفهم لماذا يموت الناس من حوله. بالنسبة له، كان كل يوم هو محاولة لفهم ما يحدث في عالمه الصغير، عالم تحولت فيه السماء الزرقاء إلى غيمة سوداء من الدخان والخوف.
محمد، بعينيه البريئتين، كان يرى العالم من خلال عدسة طفولته الضائعة. أمه، التي كانت تأويه بين ذراعيها كملاذ أخير من الرعب الذي يحيط به، تتحدث عنه والحرقة تأكل روحها.
«كان من أجمل الأطفال» تقول بصوت متهدج، ودموعها تروي قصة جرح لا يلتئم. لقد جاءت الحرب بدخانها الكثيف، فاختارت عين محمد اليسرى لتصيبها بالسرطان. ذلك المرض الذي تسلل إلى جسده الصغير، في غفلة من البراءة والطفولة، لم يكن له علاج ولا حتى سبيل لتخفيف الألم في ذلك الركن المحاصر من العالم. محمد، في معركته الصامتة مع الألم، لم يكن يمتلك شيئًا سوى أصابعه الصغيرة ليقضمها من شدة الوجع.
لقد حرم من اللعب، من الضحك، من كل ما يجب أن يكون له حقًا كطفل. لكنه لم يكن مجرد ضحية مرض؛ كان ضحية لحرب إبادة جماعية، حرب لم تكتف بسرقة صحته وطفولته وأرضه، بل تواصل تمددها، محاولة الفتك بأطفال لبنان أيضا والاستيلاء على أراضٍ أخرى، وكأن ما دمرته لم يكن كافياً.
ربما لذلك قال الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، بكامل ابتسامته الرنانة، إن «إسرائيل أمة عظيمة تعيش في بلد صغير وعليها التوسع». نعم، بالطبع، كيف يمكن لدولة «عظيمة» أن تعيش في مساحة محدودة؟ لذلك، بالطبع، على العالم أن يتفهم حاجتها إلى «التوسع» وربما حتى إلى احتلال قصره وأرضه، لأن «الأمة العظيمة» لا تكتفي بالقليل!
كاتبة لبنانيّة
رابط قصير:
https://madar.news/?p=320901



