نابلس: أسعار الأراضي في العلالي والأرياف ملجأ الأهالي
نابلس- مدار نيوز: ميساء ابو زهيدة: على بعد بضع كيلو مترات من مدينة نابلس، أنظر على امتداد خط أفقك في كل الجهات، عد بذاكرتك للوراء قليلاً، التقط صورةً للأراضي والشوارع، عد من جديد إلى هنا، حاول أن تقارن بين ما كان وما صار، كل تلك الأراضي الممتدة على مد نظرك في قرى بيت وزن وقوصين وصرة وتل وعصيرة الشمالية تحولت لمبانٍ وأشكال نحتت من جديد، لتعلن ظاهرة لم نعتد عليها من قبل.
ففي الوقت الذي اعتدنا فيه على اعتبار مركز المدينة قبلة استقرار مرجوة لكثيرين، أصبحت الأراضي التي تبعد كيلومترات كثيرة عن المدينة ملجأً جديداً يتجه إليه أهالي نابلس؛ هرباً من شبح الاكتظاظ والازدحام الذي بدأ يلاحقهم، ولعل موجة الغلاء الهستيرية التي ضربت مدينة نابلس في السنوات الأخيرة وما زالت تتصاعد كانت أحد الأسباب الأساسية التي دفعت الأهالي إلى الانتقال من المدينة إلى ريفها القريب، فبدلاً من شراء أرض قد يصل سعرها إلى عدة ملايين في أحد أحياء مدينة نابلس، أصبح بالإمكان شراء أرض قد لا يزيد سعرها عن خمسين ألفاً إذا ابتعدنا بضع كيلومترات باتجاه أرياف المدينة.
موجة الغلاء العاتية التي ضربت أراضي مدينة نابلس في الفترة الأخيرة والكثافة السكانية العالية التي أصبحت حبلاً يضيق الخناق على الأهالي والأراضي وما رافقها من الفيضان المروري الكبير الذي أغرق طرق المدينة، كانت أسباباً دفعت إلى التفكير الجدي بضرورة البحث عن مخرج هادىء بعيداً عن كل تلك المشاكل، وكانت أراضي القرى المحيطة القريبة ملجأً جديداً فبدأت ظاهرة الهجرة العكسية من المدينة إلى قراها هذه المرة.
يقول السمسار وتاجر الأراضي أبو مهدي الصراوي” الكثافة السكانية في ارتفاع، وهذا أدى إلى ازدحام مروري ضخم، سبب مشاكل كثيرة، ودفع كثيرين إلى التفكير في ترك المدينة والانتقال إلى أماكن أكثر هدوءاً وبعداً عن هذه المشاكل، فبدأ الكثير من أهالي نابلس بشراء أراضي في القرى المحيطة بالمدينة، ولعل ارتفاع أسعار الأراضي والشقق أيضا أدى إلى التفكير في أماكن أكثر رخصاً، فبدلاً من شراء شقة بغرفتين بربع مليون في إحدى مناطق الأطراف في المدينة، يمكن شراء قطعة أرض وبناء أجمل منزل وبمساحات جيدة بنفس المبلغ إذا طالت المسافة قليلا”.
ولعل الخدمات المتوافرة في القرى من مياه وكهرباء وشوارع وانترنت ومراكز علاجية وصيدليات كانت سببا آخر شجع على الظاهرة، فبات الانتقال ذا بعدٍ مادي غير مصحوب بكثير من التغيير, والكيلومترات التي تبعدها القرى عن المدينة ليست إلا مسافات زمنية اختصرتها وسائل النقل بما لا يزيد عن نصف ساعة.
يقول تاجر الأراضي نواف شولي “الوقت الذي نستغرقه في الوصول من قرية صرة إلى منطقة الأكاديمية أقل من ذلك الذي نستغرقه في الوصول إلى ذات المكان من مركز البلد في أوقات الازدحام الصباحية، ولو قارنا بين الإسكانات التي بنيت من فترة قصيرة في القرى المجاورة لنابلس سنجدها بمواصفات عالية وبأسعار أقل من مدينة نابلس، وبالتالي الطلب عليها في ازدياد، وكذلك أسعار الأراضي في هذه القرى أقل من المدينة في ظل الارتفاعات الضخمة في الأسعار، وبخدمات مقاربة إلى حدٍ كبير، وتعاضد هذه الأسباب معاً جعل فكرة الانتقال إلى القرى هاجساً لأهل نابلس”.
ويقول مدير دائرة تسجيل الأراضي في نابلس وهيب زياد: “من الواضح أن انتقال أهالي نابلس للسكن في القرى المحيطة بنابلس بات ظاهرة من المتوقع تضخمها في ظل إقبال أهالي نابلس الكبير على شراء الأراضي في القرى المحيطة، لكن مثل هذه الظاهرة لابد من وضع مخططات لتنظيمها وإلا ستؤدي إلى مشاكل كثيرة إذا لم نحسن التحكم بها”.
وعن رأيه حول الموضوع يقول رئيس قسم الاقتصاد في جامعة النجاح الوطنية د. شاكر خليل: “لو تحدثنا ببعض الأفكار الاقتصادية سنجد أنه وفقاً لنظام الاقتصاد الحضري فإنه من المفروض أن يحاول الأفراد الاقتراب من أماكن عملهم ودراستهم، لكن ارتفاع أسعار الأراضي في مدينة نابلس نتيجة لارتفاع الطلب عليها وقلة مساحتها، دفع كثيراً من الأفراد إلى التفكير في الانتقال، خاصة للأفراد متوسطي الدخل”.
ويؤكد د. خليل على أن الكثافة السكانية الضخمة التي أصبحت تشكل مصدر ضغط على المدينة ومواردها، جعلت الأفراد يبدؤون بالتفكير في أماكن جديدة.
ويشير إلى أن هذا الأمر لم يقتصر على نابلس وحدها بل على مدن الضفة الغربية الأخرى، لكن وجود المستوطنات قد يقف عائقاً أمام التمدد الكبير للمدن.
معظم النظريات والأنظمة الاقتصادية المتعارف عليها تفرض بالعادة اقتراب الأفراد إلى مناطق عملهم توفيراً للوقت والجهد، لكن الاكتظاظ والازدحام جعل مثل هذه الفرضية قابلة للاندثار في حضرة الهدوء والاستقرار المرجو، بعيداً عن صخب المدينة المزعج، ويبدو أن مثل هذا التوجه بات توجهاً معمماً، وخصوصاً في الدول المتقدمة التي تعمل على راحة ساكنيها، فباتت تقدم تسهيلات لمواطنيها للسكن في الأرياف البعيدة عن إزعاج المدن الضخمة، الذي كان قادراً على زرع كثير من الأمراض والمشاكل التي أصبحت تشكل خطراً على الدول، وفي نابلس هستيريا ارتفاع أسعار الأراضي كانت شعلة البداية للتفكير في الانتقال.
مثل هذه الظاهرة لا يمكن بالتأكيد تجاهلها اجتماعياً؛ لأن الانتقال من المدينة إلى القرية قد يكون إعلاناً لخليط ثقافي جديد، وبداية ظاهرة اجتماعية قد تكون إنذاراً لحدوث مشاكل لن يكون المجتمع قادراً على وقفها، يقول أحد سكان قرية قوصين أمجد درويش: “بالتأكيد ونتيجة للفروق الاجتماعية واجهنا بعض المشاكل في بداية سكننا لكننا استطعنا التأقلم مع الوقت، والسبب الأساسي الذي دفعنا إلى الانتقال من نابلس إلى السكن في قرية قوصين هو رغبتنا في الاستقلالية بعيداً عن ازدحام المدينة المتعب، وأعداد السكان الكبير أيضاً سبب الإزعاج لنا، فأصبحنا بحاجة إلى مكان أكثر حرية وهدوءاً، وفي نفس الوقت غير بعيد عن المدينة، واستطعنا تجاوز كل الاختلافات الاجتماعية”.
يقول أستاذ علم الاجتماع في جامعة النجاح الوطنية د. فيصل زعنون: “البعض يظن أن السكن في المدن يعني تجنب المشاكل، لكن في الحقيقة كثير من الذين انتقلوا أو يفكرون بالانتقال من نابلس إلى ريفها، يقصدون البحث عن الاستقرار والراحة الاجتماعية، لكن سكنهم في مناطق مختلفة عن بيئتهم جعلهم في فجوة اجتماعية بحاجة إلى بعض التقبل للآخر؛ ليتمكنوا من تجنب الوقوع في المشاكل التي حاولوا الابتعاد عن شبحها”.
ميساء أبو زهيدة – الرواد للصحافة والإعلام – القدس دوت كوم
رابط قصير:
https://madar.news/?p=32101



