رغم الصحوة الدولية المتأخرة، فإن المجاعة التي تضرب غزة تهدد حياة وصحة عشرات آلاف الأطفال الغزيين الذين يعانون، بحسب الخبراء، من سوء تغذية خطير، وسيحتاجون إلى مرافقة طبية ورعاية صحية حتى لو جرى تحسين الوضع الغذائي في القطاع.
واحتلت قضية المجاعة في غزة، عناوين الأخبار في العالم خلال الأسبوع الأخير فقط، نتيجة للأزمة الإنسانية المتواصلة التي بدأت مع بداية الحرب الإسرائيلية على غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وازدادت مع وقف إسرائيل إدخال الغذاء بالكامل إلى القطاع في شهر آذار/ مارس الماضي.
ومع استمرار الحرب تتفاقم بشكل خطير الكارثة الإنسانية في قطاع غزة مع خرق إسرائيل لوقف إطلاق النار في 18 آذار/ مارس واستئناف الحرب والإعلان عن عملية “عربات جدعون”، التي أدت إلى اقتلاع وتهجير مئات آلاف الفلسطينيين الآخرين من بيوتهم.
ويشير الخبراء إلى أن آفة الجوع لا ترتبط بالغذاء فقط، بل بهدم البيوت واقتلاع السكان وتدمير البنى التحتية وشبكات المياه والصرف الصحي وتدمير الجهاز الصحي، إذ إن التهجير المتتالي للسكان يحول دون تخزين المواد الغذائية والحصول على الرعاية الطبية المنتظمة.

كما أن تدمير شبكة المياه والصرف الصحي أدى إلى تفشي الأمراض التي زادت من الأخطار الصحية الناتجة عن الجوع، إذ إن جهاز مناعة الإنسان الذي يعاني من سوء التغذية يصبح ضعيفًا إلى درجة أنه لا يموت نتيجة النقص في السعرات الحرارية فقط، بل إن أي تلوث قد يؤدي إلى موته، في وقت يعرض فيه تدمير شبكة الصرف الصحي ومنظومة الصحة الجماهيرية السكان للكثير من الملوثات. علمًا أن الفئات الضعيفة مثل كبار السن والأطفال والنساء الحوامل هم الضحية الأولى للجوع ومضاعفاته.
حول هذا الموضوع، حاورنا الطبيبة الغزية د. آلاء إسماعيل*، استشارية النساء والتوليد والباحثة في مجال صحة المرأة.
“عرب 48”: من الواضح أن النساء الحوامل والأجنة والمواليد الجدد والرضع هم أول ضحايا سياسة التجويع الإسرائيلية، التي أدت إلى مجاعة خطيرة باتت تفتك بحياة البشر، كطبيبة وباحثة في هذا المجال، كيف تلمسين هذه النتائج على الأرض؟

إسماعيل: المجاعة تتحدث عن نفسها في غزة. صحيح أنه جرى تسليط الأضواء عليها في الأشهر والأيام الأخيرة بشكل خاص، لكن المجاعة بدأت مع بداية الحرب وإغلاق المعابر ومنع الشاحنات والمساعدات الغذائية وحتى البضائع العادية من الدخول إلى القطاع.
وصحيح أن الفئات العمرية الأكثر تضررًا هي الفئات التي لا تتحمل بشكل كبير موضوع نقص الأغذية، ونتحدث بشكل أساسي عن الحوامل، إذ إن المرأة الحامل، كما هو معروف، تتضاعف الحاجة الغذائية لديها خلال فترة الحمل، كونها مسؤولة عن نفسها وعن الجنين الذي بداخلها، خاصة وأن بعض السيدات الحوامل ربما تكون “حامل” ومرضع في ذات الوقت، وذلك في حالة حدوث حمل مبكر بعد الولادة، وبذلك تتحمل مسؤولية تغذية الرضيع الذي على حضنها والجنين الذي في بطنها.
الفئة الثانية هي الأطفال، وخاصة الأطفال الرضع، ونحن الآن على أعتاب السنة الثالثة للحرب، فنحن لا نتحدث عن أيام وأشهر قليلة من المجاعة، وبالتالي فإن السيدات أو الأطفال لا يوجد لديهم الفائض المطلوب لتقبل أو تحمل مجاعة فوق التي عاشوها من بداية الحرب، حيث باتت الأجساد منهكة وتعاني من نقص في جميع العناصر الغذائية الضرورية.

كما أن النقص في المواد الغذائية تفاقم بحيث بات يشمل جميع المواد الأساسية، وحتى الطحين الذي يتم التركيز عليه في الإعلام بشكل كبير كونه مادة أساسية، علمًا أنه عند الحديث عن سيدة حامل أو طفل رضيع فليس الطحين هو الأساس، بل عناصر غذائية أخرى؛ فهناك المغذيات وهناك مقبلات غذائية يحتاجها الجسم، والتي من شأنها أن توفر العناصر الغذائية الأساسية المتعارف عليها من كربوهيدرات ومعادن وأملاح وبروتينات، وهي ضرورية للمرأة الحامل وللجنين والرضيع والطفل في مرحلة النمو، وجميع هذه الأغذية غير متوفرة نهائيًا.
“عرب 48”: المجاعة شاملة وتطال الجميع كما هو معلوم، ولكن هذه الفئات التي تتعاملين معها هي الأكثر عرضة لأخطارها، كما يبدو من الإحصائيات حول ضحاياها حتى الآن…
إسماعيل: في الـ24 ساعة الأخيرة فقط (المقابلة أُجريت يوم الإثنين الماضي) توفي 14 طفلًا بسبب عدم توفر الحليب، الذي يُعد حقًا من حقوق أي طفل في العالم. هؤلاء تم تجويعهم من خلال منع الحليب عن الخدج وعن الأطفال وعن جميع الفئات العمرية. وأنا كطبيبة وأم لطفلين كان عمرهما في بداية الحرب شهرين فقط، عانيت بشكل شخصي، وطبيًا كوني أتعامل مع هذه الحالات بشكل مهني. هذه المعاناة بدأت مع بداية الحرب وتواصلت وتفاقمت تدريجيًا إلى أن وصلت إلى ذروتها في هذه الأيام، بتزايد حالات الموت بسبب الجوع، أو التجويع بشكل أدق.
“عرب 48”: حتى الأطباء أنفسهم يقولون إنهم جوعى؟
إسماعيل: صحيح، ولكنهم يتحملون مقارنة بطفل ينمو ويحتاج إلى التغذية اليومية المطلوبة. ونحن نتحدث عن 150 حالة وفاة على الأقل بسبب الجوع منذ استئناف الحرب في شهر آذار/ مارس الماضي.
“عرب 48”: منذ ما يسمى عملية “عربات جدعون” وقرار وقف إدخال المواد الغذائية بشكل كامل؟
إسماعيل: صحيح، وقف كامل وخانق وقاتل. حيث أصبح التجويع وسيلة قتل ممنهجة إلى جانب وسائل القتل الأخرى التي لا تزال مستمرة. هذا ناهيك عن القتل في مراكز المساعدات الأميركية الإسرائيلية، ولكن دعنا نركّز على الناس الذين يموتون داخل بيوتهم، سواء الأطفال أو السيدات.
“عرب 48”: طبعًا هناك الموت المباشر من الجوع، وهناك الضرر الذي يمكن أن ينتج عن سوء التغذية للطفل أو للجنين، والذي هو ضرر غير قابل للإصلاح كما يقول الخبراء؟
إسماعيل: أكيد، فالنقص الحاد والشديد في الغذاء يؤدي إلى نقصان كبير في وزن السيدة الحامل، وكما هو معروف فإن وزن المرأة يبدأ بالزيادة بمجرد الحمل ويتواصل خلاله. ونحن كطبيبات مختصات، نقول دائمًا للسيدات إنه إذا لم تكن هناك زيادة في الوزن خلال الحمل، فعلى الأقل يجب ألا يحدث هبوط في الوزن، لأن الهبوط يعرض حياة وصحة الجنين للخطر.

وفي الآونة الأخيرة، نلاحظ هبوطًا في الوزن لدى النساء الحوامل بين زيارة وأخرى، وهو هبوط غير مسيطر عليه، وأنت كمعالج لا تملك الإمكانيات لمساعدتها حتى تحافظ على وزنها بالحد الأدنى، لأننا حاليًا في مرحلة الحرب لا نتوخى زيادة الوزن، بل نطلب الحفاظ على ثباته.
“عرب 48”: تقصدين أنه في الحالة الطبيعية يكون بمقدور العيادة إعطاء المرأة الحامل المكملات المطلوبة للحفاظ على وزنها وزيادته؟
إسماعيل: عادة ما يتم توجيهها إلى العناصر الغذائية التي يجب أن تتناولها، بالإضافة إلى إعطائها مغذيات ومكملات يمكن أن تساعد على ذلك، أو أن توصف لها حبوب الحديد التي تعدّل أو تزود الشهية وبعض الفيتامينات.
بينما اليوم فإن الفيتامينات المتوفرة تُعطى فقط لحالات معينة، وما يتوفر من مكملات بسيطة لا يعالج سوء التغذية، وكما هو معروف، فإن المكمل الغذائي لا يعالج سوء تغذية شديد، فذلك يحتاج إلى إدخال للمستشفيات وإعطاء سوائل وريدية، وإعادة إنعاش الجسم بالمعادن والمغذيات الرئيسية وبالتدريج، كي لا يدخل الجسم في صدمة بسبب دخول هذه المغذيات إليه بشكل فجائي ويقوم برد فعل عكسي.
لهذه الأسباب هناك بروتوكول وطريقة معينة في علاج سوء التغذية، يستغرق أحيانا أسابيع وأحيانا أشهر وبالتالي هذه الحالات لم نكن نواجهها بشكل كبير قبل الحرب وكانت مقصورة على حالات معينة.
“عرب 48”: في حال استمرار وزن الحامل بالانخفاض، فإن ذلك قد يؤدي إلى مشاكل في الحمل وقد يؤدي إلى إجهاض الجنين؟
إسماعيل: طبعًا، قد يؤدي إلى إجهاض. وملاحظ وفق إحدى الدراسات أن نسبة الإجهاض ازدادت بـ300% خلال فترة الحرب، وهي إحصاءات من الأشهر الأولى لبداية الحرب، وربما تكون قد وصلت الآن إلى 500%.

وفي حال لم يحدث إجهاض، فإن نقصان الوزن لدى الحامل يؤدي إلى انخفاض وزن الجنين، ومن ثم فإن ولادة جنين منخفض الوزن تتطلب إدخاله إلى الخدج (الرعاية الحديثة للمواليد). وهنا تصادف مشكلة عدم وجود الحاضنات التي تحول دون إدخال المولود للخدج بمجرد ولادته، وبالتالي يزداد الأمر سوءًا.
“عرب 48”: تتحدثين عن مسؤولية كائنين، الأم ومولودها، وكثير من المشاكل أثناء الحمل، وما بعد الولادة تزداد هذه المشاكل لأن الطفل يمكن أن يولد مع مشاكل صحية؟
إسماعيل: صحيح. من هذه المشاكل نقص المناعة لدى الأم ولدى الطفل، وهو ما يجعلهما عرضة للالتهابات بشكل أكبر، ونزيف أثناء الولادة، وعدم القدرة على إنعاش الطفل بمجرد ولادته، وعدم القدرة على إدخاله مع عدة مواليد في نفس الحاضنة خوفًا من العدوى. وما نخاف منه بالتالي أن نصل إلى مرحلة وفاة، سواء للأم أو للطفل.
وبالنسبة للأطفال الرضع، كما هو معروف، فإن كل المشاكل التي تعاني منها الأم تنعكس بشكل سلبي على الأطفال الرضع، فترى أن الأم غير قادرة على إعطاء الحليب وتوفير نوع الرضاعة الذي نشجع عليه خلال السنة الأولى وحتى الثانية من عمر الطفل.
ومن جهة ثانية، فإن الحليب الاصطناعي غير متوفر بعد أن تم منع إدخاله إلى غزة بشكل كامل. الأم تحاول جاهدة أن توفر الحليب، ولكننا نعرف أنها غير قادرة على الإرضاع، وبالتالي فإن كمية الحليب غير كافية، ما يجعل الطفل بحاجة إلى مكمل حليب، وهو غير متوفر أيضًا. كما أن سيدة تعاني من سوء التغذية لا بد أن يكون رضيعها وأولادها وزوجها يعانون كذلك، وبالتالي نحن أمام مشكلة عامة.
“عرب 48”: هي مشكلة عامة، ولكن تأثيرها أكثر فتكًا بالأطفال والأجنة والحوامل؟
إسماعيل: متعارف عليه أنه إذا سُجلت حالتان أو ثلاث حالات موت من الجوع في أي بقعة جغرافية حول العالم، فإن ذلك يُعتبر مجاعة.
وفي غزة سُجلت 150 حالة وفاة من الجوع بشكل مباشر، بينهم 88 طفلًا، منهم 14 في آخر 24 ساعة، وهو ما يتجاوز الرقم العالمي بأضعاف. نحن نتجاوز الحد العالمي بسبعة أضعاف ونسجل وفاة 14 طفلًا خلال 24 ساعة. هذه ليست مجاعة فقط، إنها مأساة إنسانية.
“عرب 48”: السؤال فيما إذا كنا نتحدث عن البداية أم النهاية، أي أنها تراكمات وصلت إلى نقطة الكسر، ومن شأنها أن تزداد رغم السماح بإدخال المواد الغذائية بشكل أكبر؟
إسماعيل: هذه معلومة مشاعة، ليس لها تصديق على أرض الواقع. أنا كسيدة – ولا أريد أن أتحدث كطبيبة – في غزة، نظرًا لوعينا، لم أر المساعدات التي يُقال إنها دخلت بعدد قليل. وهذا القليل يتم السيطرة عليه في بعض الأحيان، ولا يتم وصوله للفئات المعنية، وهكذا يستمر الحال.
لا نستطيع القول حاليًا إن المساعدات تدخل. وإذا ما تحدثنا عن الأطفال الرضع تحديدًا، فلم يدخل حتى الآن أي نوع من الحليب الخاص، سواء للرضع أو للخدج، أو أي نوع من أنواع المغذيات أو المكملات للسيدات والأطفال، حتى إلى المستشفيات.
الدكتورة آلاء إسماعيل*: استشارية نسائية وتوليد، ومتخصصة في علاج تأخر الإنجاب والعقم، وباحثة في صحة المرأة. حاصلة على الزمالة البريطانية، والبورد العربي، والبورد الأردني. عملت في مستشفيات ومراكز طبية عدة في غزة والأردن.



