تتركز السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة على نهب الأرض وطرد الفلسطينيين منها.
طرد الفلسطينيين من أراضيهم المنهوبة بداية، تمهيدًا لعمليات طرد واسعة (ترانسفير) من الضفة إلى الأردن ودول أخرى بموجب خطط جاهزة للتنفيذ، وخطط أخرى لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، التي خرجت إلى العلن خلال حرب الإبادة الجارية في غزة. وهذه الخطط موجودة وتداولت فيها الحكومات الإسرائيلية منذ تأسيس الدولة، وبشكل أوسع بعد الاحتلال في العام 1967.
طرد الفلسطينيين من غزة فشل حتى اليوم. لكن تنفيذ خطط طرد الفلسطينيين من الضفة مستمر من خلال نهب إسرائيل الأراضي بطريقتين. الطريقة الأولى، رسمية، وتنفذ بواسطة مصادرة الأراضي. والطريقة الثانية ليست رسمية ولكن بدعم وتمويل الدولة، وينفذها مستوطنون بواسطة اعتداءات إرهابية على تجمعات فلسطينية ودفع سكانها إلى مغادرتها بالقوة.
منذ احتلال الضفة، في العام 1967، وحتى أواخر العام 2021، نهبت إسرائيل أكثر من مليوني دونم بواسطة الطريقتين الرسمية وغير الرسمية، وأقامت فيها مستوطنات وشقت شوارع. وأكد تقرير للمنظمة الحقوقية الإسرائيلية “بتسيلم” أن “عنف المستوطنين هو عنف الدولة، وينفذ بدعم كامل وبمشاركة مندوبيها وبمساعدتهم، كإستراتيجية لنظام الأبارتهايد الإسرائيلي الذي يسعى إلى استكمال السيطرة على الأراضي الفلسطينية”.
ووفقًا للمنظمة، فإن “الدولة تسمح للمستوطنين بالبقاء في الأراضي التي نهبوها من الفلسطينيين بالعنف. وعشرات البؤر الاستيطانية والمزارع، وهي مستوطنات أقيمت بدون مصادقة الحكومة، تحصل على دعم السلطات الإسرائيلية ولا يتم إخلاؤها، وأصدرت إسرائيل أوامر للجيش بالدفاع عن البؤر الاستيطانية أو تمويل حراستها، وشقت شوارع إليها وربطت معظمها بشبكتي المياه والكهرباء، ودعمتها بواسطة الوزارات ودائرة الاستيطان في الهستدروت الصهيونية العالمية والمجالس الإقليمية للمستوطنات في الضفة، ودعمت مشاريع اقتصادية، بضمنها منشآت زراعية ودعم مزارعين ورعي قطعان الماشية، ووفرت لها حماية قضائية ضد الالتماسات التي طالبت بإخلائهم”.

وفقًا لتقرير صادر عن منظمة “كرم نابوت” وحركة “سلام الآن” الإسرائيليتين المناهضتين للاحتلال والاستيطان، فإن المستوطنين في البؤر الاستيطانية الرعوية كانوا يسيطرون حتى نيسان/أبريل من العام 2025 على 786 ألف دونم، التي تشكل 14% من مساحة الضفة الغربية، وأن هؤلاء المستوطنين استولوا على 70% من هذه المساحة منذ تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، وطردوا سكان أكثر من 60 تجمعًا فلسطينيًا من بيوتهم وأراضيهم بواسطة اعتداءات إرهابية، ثم أعلنت إسرائيل عنها على أنها “مناطق إطلاق نار”، أي تدريبات عسكرية، يحظر دخول الفلسطينيين إليها.
سجل إرهاب المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية أرقامًا قياسية جديدة منذ تشكيل حكومة نتنياهو الحالية، وفق تقرير منظمة “ييش دين” الإسرائيلية الحقوقية الصادر مطلع العام الحالي. وأفاد التقرير بأن 93.6% من ملفات التحقيق التي فتحتها الشرطة الإسرائيلية في أعقاب اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم بين السنوات 2005 – 2025، انتهت وأُغلقت بدون تقديم لائحة اتهام. وخلال هذه الفترة، 3% فقط من ملفات التحقيق هذه انتهت بإدانة كاملة أو جزئية لمستوطنين.
وثّقت “ييش دين” منذ العام 2023 وحتى تشرين الثاني/نوفمبر العام 2025 حوالي 30 اعتداء جماعيًا منظمًا لمستوطنين ضد فلسطينيين، وفي 16 اعتداء بينها تواجد جنود أو أفراد شرطة “شاركوا في هذه الهجمات بصورة مباشرة أو غير مباشرة”.
وأكدت المنظمة أن “هذا يدل على أن سياسة الإنفاذ الفاشلة ليست إخفاقًا، وإنما دليل على أن دولة إسرائيل تسمح بالعنف تجاه سكان غير محميين بشكل متعمد وموجّه، وأحيانًا بتعاون فعلي، لأن هذا العنف يخدم أهداف الدولة بتوسيع السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية بواسطة الإرهاب والعنف. والاستنتاج الذي يتعالى من المعطيات المذكورة هو أن دولة إسرائيل وسلطاتها لإنفاذ القانون في الضفة الغربية تتحمل مسؤولية مباشرة عن العنف الذي ينفذه إسرائيليون ضد فلسطينيين”.
إرهاب بتوجيه حاخامات المستوطنات
أوعز رئيس جهاز الشاباك، دافيد زيني، لوحدة العمليات في الجهاز بالعمل على “إحباط” إرهاب المستوطنين، على إثر الارتفاع الكبير في الاعتداءات الإرهابية التي ينفذها التنظيم الاستيطاني الإرهابي “شبيبة التلال” ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، لكن يبدو أن قرار زيني، الذي يوصف بأنه يميني متطرف، جاء في أعقاب هجمات “شبيبة التلال” ضد قوات الجيش الإسرائيلي في الضفة وليس ضد الفلسطينيين.

ووصفت صحيفة “معاريف”، الاثنين الماضي، قرار زيني بأنه “غير مألوف وغير مسبوق”. وكانت صحيفة “يديعوت أحرونوت” قد ذكرت، قبل أسبوعين، أن أحد أبناء زيني موجود في مخزون معلومات الشاباك “كمجرم محتمل بسبب نشاطه في شبيبة التلال”.
اللافت هنا هو أن زيني، رغم أنه يميني، أصدر أمرًا للشاباك لم يصدر مثله أي من أسلافه في المنصب. ومثل غيره من المسؤولين الإسرائيليين، وخاصة في ظل حكومة نتنياهو الحالية، ليس معقولًا أنه يسعى إلى حماية الفلسطينيين، خاصة وأن إرهاب المستوطنين يُنفذ من أجل تحقيق أهداف إسرائيل في نهب الأراضي وإقامة مستوطنات.
إلا أن تطورًا لاحقًا كشف عن الهدف الحقيقي لقرار زيني، وهو تطوير وتنظيم عمليات نهب الأراضي الفلسطينية، إذ أن هؤلاء المستوطنين الإرهابيين في “شبيبة التلال” يخضعون تنظيميًا وأيديولوجيًا لشبكة من الحاخامات المتطرفين في المستوطنات.
غداة النشر عن قرار زيني، أصدر ما يسمى “حاخامات السامرة”، بقيادة الحاخام المتطرف إلياكيم ليفانون، منشورًا عبروا فيه عن دعمهم لنشاط “المزارع الاستيطانية” المقامة على الأراضي الفلسطينية المنهوبة، وأعلنوا من خلاله عن “قواعد واضحة للعمل” ودعوا إلى دعم المستوطنين في المزارع الاستيطانية، وإلى إقامة المزيد منها “بصورة مسؤولة ومنسقة”، وإلى “الامتناع المطلق عن العنف”، علمًا أن هذه “المزارع” لم تتم إقامتها أبدًا بدون اعتداءات على الفلسطينيين وسرقة أراضيهم.
وجاء في منشور الحاخامات أن إقامة البؤر والمزارع الاستيطانية “توسع التمسك والسيطرة على مناطق بلادنا وتحقق خلاصنا فعليًا”، ودعوا المستوطنين إلى التعاون مع “الجهات العسكرية والحكومية” وإلى الاعتراف بالمزارع الاستيطانية على أنها “جزء من المفهوم الأمني”.
وزعم الحاخامات في منشورهم أن اعتداءات المستوطنين الإرهابيين ضد الفلسطينيين ونهب أراضيهم وطردهم منها هي “حالات فردية كانت في هامش المشروع الاستيطاني، وتحدث أحيانًا من جانب من لديهم نوايا مرغوب فيها لكن أفعالهم ليست مرغوبًا فيها”.
وأضافوا أن الذين يسعون إلى إقامة مزرعة أو بؤرة استيطانية في منطقة المجلس الإقليمي للمستوطنات في “السامرة”، أي شمال الضفة الغربية، “أن يتوجهوا إلى اللجنة المسؤولة عن ذلك والصعود إلى الأرض فقط بعد تنسيق واتفاق مع اللجنة”.
ورغم أن المستوطنين هم المعتدون في هذه الحالات، لكن الحاخامات كموجهين للإرهاب ضد الفلسطينيين ادعوا في منشورهم أن “واقع الحياة في التلال (أي البؤر الاستيطانية) والمزارع يمكن أن يشمل احتكاكات معقدة مقابل أحداث متنوعة تتطلب بطولة وتضحية. وإذا حاول مشاغبون (أي فلسطينيون) العمل في مزارع أو نقاط الاستيطان، لا ينبغي التصرف بعنف من أي نوع، وإنما الاتصال مع قوات الأمن أو المجلس (الاستيطاني) من أجل التعامل مع الحدث. وهذا ينطبق على الضيوف الذين يأتون من أجل الدعم والمساعدة، والمسؤولية عن التصرف (ضد الفلسطينيين) هي على المضيفين”.
وتابع الحاخامات قلب الحقائق، إذ ادعوا أنه “ندعو السلطات وجهاز الأمن إلى التعامل بالشدة المطلوبة ضد الظاهرة الأكثر خطورة، وهي الاعتداءات على رعاة المواشي اليهود واستهدافهم من جانب العرب والفوضويين (أي ناشطي السلام الإسرائيليين)، وكذلك ضد عمليات تشكل خطرًا على الحياة من جانب عناصر أمن معدودين ضد الشبيبة في عدة أحداث مقلقة”.
محور الشر
نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب هما زعيما محور شرّ يضم زعماء آخرين لأنظمة متحالفة وتملك قوة عسكرية هائلة ولا يترددون في استخدامها وتشكل خطرًا على العالم كله وأمنه واستقراره. وهما يخدعان العالم بكلام معسول من أجل تحقيق أهداف محور الشر.

ضمن هذا الخداع وتشويه الواقع وتزوير الحقائق، “مجلس السلام” الذي شكله ترامب وعيّن نفسه رئيسًا له من خلال خطته لإنهاء مزعوم لحرب الإبادة على غزة المستمرة حتى اليوم، وضمّ إليه نتنياهو المطلوب للعدالة الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تشمل الإبادة بسبب حرب غزة.
في السياق المحلي، نتنياهو كرئيس لحكومة إسرائيل مسؤول عن الحرب والإبادة والمجاعة والقمع والاستيطان والتهجير والجريمة في المجتمع العربي في جميع مناطق فلسطين التاريخية. وهو مسؤول عن خطط يضعها ويعلن عنها وينفذها وزراؤه، وخاصة الوزيران بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.
يطلق سموتريتش باستمرار تصريحات عدوانية ضد الفلسطينيين حول الاستيطان والتهجير. واعتبر خلال مؤتمر لحزب الصهيونية الدينية الذي يرأسه يوم الثلاثاء الماضي أن على الحكومة المقبلة “تشجيع هجرة” الفلسطينيين من الضفة الغربية وضمها إلى إسرائيل، وأن “لا حل آخر في المدى البعيد، ويجب القضاء على فكرة دولة الإرهاب العربية”. وأضاف أنه يتطلع إلى إلغاء اتفاقيات أوسلو، رغم أن إسرائيل، وخاصة حكومتها الحالية بسياستها وممارساتها، ألغت اتفاقيات أوسلو منذ سنين كثيرة.
واستعرض سموتريتش في خطابه “خطة الاستيطان للعام 2030″، التي تشمل “إقامة عشرات المستوطنات الجديدة والمزارع وتشديد السيطرة اليهودية” في الضفة الغربية.
المجتمع العربي ليس بمعزل عن دعوات إسرائيلية لقتل الفلسطينيين في الضفة والقطاع. وكعادته، لم ينتظر بن غفير نتائج تحقيق أعلنت الشرطة عن فتحه بعد إقدام شرطي على قتل الشاب أحمد أشقر (18 عامًا) في قرية كابول أول من أمس.
وانبرى بن غفير يدافع عن الشرطي القاتل، وقال إن “من يشكل خطرًا على أفراد شرطتنا يجب أن يكون محيّدًا”، أي أن يُقتل، وذلك رغم أن بيان الشرطة لم يذكر أن الشاب الفقيد مشتبه بتشكيل خطر على أفراد الشرطة الذين طاردوه.
وتابع بن غفير أنه “انتهت الأيام التي شكلوا فيها خطرًا على أفراد الشرطة من دون رد فعل. أحيي المقاتل الذي أطلق النار، ولديه دعم كامل مني. وستواصل الشرطة الإسرائيلية العمل ضد المجرمين ومن أجل الحوكمة في دولة إسرائيل كلها”.
إلا أن بن غفير يكذب. فقد ثبت حتى الآن أن الشرطة غير قادرة على العمل “من أجل الحوكمة” في المجتمع العربي، بدليل استفحال الجريمة التي تسجل أرقاما قياسية غير مسبوقة ليس محليا فقط، وإنما على مستوى العالم بأسره.



