انخفاض سعر الدولار في إسرائيل: مكاسب قصيرة الأمد ومخاطر طويلة الأمد
مدار نيوز \
انخفض سعر صرف الدولار من نحو 3.19 شيكل في مطلع كانون الثاني/يناير 2026 إلى ما بين 2.90 و2.95 شيكل في أيار/مايو الجاري، أي بتراجع يقارب 9%. ويأتي هذا الانخفاض رغم استمرار حالة الحرب في إسرائيل منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى اليوم، وارتفاع تكلفتها المالية والاقتصادية، فضلًا عن زيادة الدين الخارجي وتفاقم العجز في الموازنة.
لا تقدّم التحليلات الاقتصادية الإسرائيلية، حتى الآن، تفسيرًا حاسمًا لأسباب تراجع سعر صرف الدولار، بل تكتفي بالإشارة إلى مجموعة من العوامل التي يُعتقد أنّها أسهمت في هذا الاتجاه. ومن بين هذه العوامل، زيادة عرض الدولار في السوق الإسرائيلية نتيجة صفقات بيع شركات في قطاع التكنولوجيا المتقدمة بمبالغ مرتفعة جدًا، إلى جانب تراجع استثمارات الإسرائيليين في أسواق الأسهم الأميركية وتحول جزء منها إلى بورصة تل أبيب، فضلًا عن توسّع مشاركة مستثمرين دوليين في الأسواق المالية الإسرائيلية.
كما لا يمكن تجاهل أثر السياسات الاقتصادية للإدارة الأميركية، التي تسعى إلى إضعاف سعر الدولار عالميًا بهدف دعم الصادرات الأميركية، وتقليص العجز الكبير في الميزان التجاري، وكذلك الحد من عبء الدين الخارجي.
تأثيرات متناقضة
يحمل تراجع سعر صرف الدولار تأثيرات متباينة على الاقتصاد الإسرائيلي. فمن جهة، يسهم انخفاضه في تقليص أسعار السلع والخدمات المستوردة، ويحدّ من الضغوط التضخمية. وبذلك، يستفيد قطاع الاستيراد، وكذلك المستهلكون للسلع والخدمات المستوردة، ولا سيما في قطاع السياحة، حيث انخفضت تكاليف السفر إلى الخارج بصورة ملحوظة.
كما يساهم هذا التراجع في تقليل المدفوعات الشهرية من ميزانية الحكومة المخصّصة لسداد الديون الخارجية المرتبطة بالدولار، التي ارتفع حجمها بشكل كبير منذ بداية الحرب على غزة.
في المقابل، يُلحق تراجع سعر الصرف ضررًا بالغًا بقطاعات الصناعات والخدمات الموجّهة للتصدير. إذ يؤدي انخفاض سعر الدولار إلى تراجع أرباح الشركات الإسرائيلية التي تبيع منتجاتها أو خدماتها بالدولار، حتى في حال بقاء حجم المبيعات على حاله.
ونظرًا إلى أنّ التصدير يُعدّ أحد المحركات الأساسية للنمو في الاقتصاد الإسرائيلي، فإن تراجع أرباح المصدّرين قد يفضي إلى تباطؤ في الاستثمارات، وانخفاض في مستويات التوظيف، وربما نقل جزء من الأنشطة الصناعية والخدمية إلى الخارج. وقد ينعكس ذلك في نهاية المطاف على وتيرة النمو الاقتصادي، وتراجع إيرادات الدولة من الضرائب في المستقبل.
تراجع سعر الدولار يضر بالصادرات
وفقًا للمعطيات الرسمية الصادرة عن دائرة الإحصاء المركزية، بلغ إجمالي صادرات إسرائيل من السلع والخدمات إلى العالم نحو 148.8 مليار دولار في عام 2025، بزيادة تقارب 6% مقارنة بعام 2024. وفي حين تراجعت صادرات السلع بنحو 1% لتصل إلى نحو 56 مليار دولار، قفزت صادرات الخدمات بنسبة 10.5% لتبلغ 92.8 مليار دولار. ونتيجة لذلك، ارتفعت حصة الخدمات من إجمالي الصادرات إلى 62.3%. وتشير هذه المعطيات إلى تحوّل بنيوي واضح في الاقتصاد الإسرائيلي، الذي بات يعتمد بصورة متزايدة على قطاع الخدمات، ولا سيما في مجال التصدير.
وتُظهر مراجعة بيانات الصادرات أنّ نحو 65% من السلع و80% من الخدمات تُصدَّر بالدولار، ما يجعلها عرضة مباشرة لتداعيات الانخفاض الحاد في سعر الصرف. ووفقًا للتقديرات، يتكبد المصدّرون أضرارًا كبيرة، إذ تجاوزت خسائرهم تراجعًا بنسبة 20% في الإيرادات خلال عام واحد.
ويشكّل قطاع التكنولوجيا المتقدمة (الهايتك)، بوصفه محرّك النمو الرئيسي للاقتصاد، نحو 85.4 مليار دولار، أي ما يقارب 57% من إجمالي الصادرات الإسرائيلية. وعند احتساب الشركات الناشئة (الستارت-أب) وصفقات الاستحواذ، يقترب هذا الرقم من 60%.
أما في قطاع السلع، فتشكّل صناعات الهايتك نحو 42% من الصادرات الصناعية، في حين يمثّل إنتاج الشرائح الإلكترونية والإلكترونيات (18.1 مليار دولار) نحو ثلث إجمالي صادرات السلع. وفي قطاع الخدمات، تصل حصة خدمات الهايتك إلى نحو 68%، ما يعكس الثقل الكبير لهذا القطاع في بنية الاقتصاد التصديري.
أما من حيث التوزيع الجغرافي للصادرات، فتُظهر المعطيات أنّ أوروبا تستحوذ على نحو ثلث الصادرات الإسرائيلية، تليها الولايات المتحدة بحوالي 26%، ثم الأسواق الآسيوية بنسبة تقارب 22%. وتجدر الإشارة إلى أنّ جزءًا كبيرًا من هذه الصادرات يُسعَّر بالدولار، حتى عندما تكون وجهته أسواقًا غير أميركية.
ووفقًا للتقديرات، فإنّ نحو 65% إلى 70% من معاملات صادرات السلع مُقوَّمة بالدولار. أما في قطاع الخدمات، فدرجة الانكشاف أعلى، إذ تُسعَّر ما بين 75% و85% من إيرادات قطاع التكنولوجيا المتقدمة بالدولار، في كثير من الأحيان بغض النظر عن الموقع الجغرافي للمستورد. وباحتساب الصورة الإجمالية، يمكن تقدير أنّ أكثر من 70% — وربما ما يقترب من ثلاثة أرباع — من الصادرات الإسرائيلية مُقوَّمة بالدولار.
أزمة قطاع التكنولوجيا المتقدمة (الهايتك)
تواجه شركات التكنولوجيا المتقدمة صعوبة متزايدة في التعامل مع تراجع سعر الدولار إلى ما دون مستوى 3 شيكل. وتتمثل المشكلة الأساسية في تراجع أرباح الشركات، في مقابل استمرار دفع رواتب الموظفين بالشيكل، ما يدفع هذه الشركات إلى البحث عن حلول فورية للتكيّف مع هذا الواقع.
ومن بين الاتجاهات التي تشهد تصاعدًا ملحوظًا في قطاع الهايتك، تقليص الاعتماد على توظيف مهندسين وموظفين إسرائيليين، مقابل التوجّه إلى تشغيل قوى عاملة في أوروبا الشرقية والهند، وحتى في أميركا الجنوبية. وغالبًا ما يتم ذلك في إطار العمل عن بُعد، من دون الحاجة إلى انتقال الموظفين إلى إسرائيل.
ويعكس هذا التوجه التناقض بين تراجع إيرادات الشركات، التي تُحتسب بالدولار، وارتفاع التكاليف المحلية، وعلى رأسها الأجور المدفوعة بالشيكل، ما يجعل تكلفة العامل الإسرائيلي أعلى بنحو 20% مقارنة بنظيره الأميركي.
ومن هنا، تتزايد مطالب قطاع التكنولوجيا المتقدمة بتدخل حكومي، سواء للحد من تراجع سعر صرف الدولار أو لتقديم دعم مالي يخفّف من أعباء التوظيف. ويشير مديرون في هذا القطاع إلى أنّ الوضع القائم يحدّ من الاستعداد لإطلاق مشاريع جديدة أو إنشاء مراكز تطوير داخل إسرائيل، في ظل تفضيل بعض الشركات التوسع في دول أخرى بسبب ارتفاع تكلفة العمل محليًا.
كما أنّ هذه الظروف تدفع أرباب العمل في قطاع الهايتك إلى التريث في توظيف موظفين جدد، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من أنّ استمرار هذا الاتجاه قد يقود إلى موجة تسريحات في القطاع.
وقد صرّح رئيس اتحاد شركات التكنولوجيا المتقدمة، ألون بن تسور، في مقابلة مع صحيفة “كلكليست” (10 أيار/مايو)، بأنّ تراجع سعر الدولار يشلّ عمل الشركات ويقوّض ربحيتها، في وقت تتجاهل فيه وزارة المالية ومحافظ البنك المركزي هذه التطورات.
ويحذّر بن تسور من أنّ الخطر الأساسي يكمن في أنّ انتقال الشركات إلى الخارج قد لا يكون مؤقتًا، مضيفًا: “الشركات لا تتخذ قراراتها بشكل فوري، لكن بمجرد اتخاذها قد يصبح التراجع عنها مستحيلًا. فالانتقال إلى الإنتاج أو العمل في بيئة أخرى عملية مكلفة، وبمجرد مغادرة الشركات، فإنها لن تعود”.
كما حذّر رئيس اتحاد الصناعيين، أبراهام نوفوغروتسكي، في مقابلة مع صحيفة “كلكليست” (أيار/مايو)، من التداعيات الاقتصادية الخطيرة لارتفاع قيمة الشيكل على الاقتصاد، مشيرًا إلى أنّ إسرائيل تمرّ بعملية مقلقة من تآكل ميزاتها التنافسية.
ويرسم استطلاع أجراه قسم الاقتصاد في اتحاد الصناعيين صورة قاتمة للوضع، إذ يشكّل تراجع سعر الدولار تهديدًا واسعًا للصناعة الإسرائيلية، مع ظهور تأثيراته بصورة أشد في قطاع التكنولوجيا المتقدمة. فقد أفادت 97% من شركات الهايتك بأنها تتوقع تراجعًا في ربحيتها (مقابل 79% بين مجمل الصناعيين)، فيما ذكرت 62% منها أنّها تدرس تقليص نشاطها في إسرائيل، كليًا أو جزئيًا. كما أشار 55% من هذه الشركات إلى نيتها نقل جزء من نشاطها إلى الخارج، في حين أفاد 54% بأنها قد تضطر إلى تسريح عمال.
ترقّب موقف البنك المركزي
قد تفسّر التأثيرات المتباينة لتراجع سعر الصرف على الأسواق والحالة الاقتصادية في إسرائيل، بصورة جزئية، امتناع بنك إسرائيل عن التدخل في سوق العملات عبر شراء الدولار لكبح هذا التراجع حتى الآن. ولا يزال البنك يؤكد أنّ انخفاض سعر الدولار لا يعكس خللًا في الأسواق، وبالتالي لا يرى ضرورة للتدخل في هذه المرحلة.
إلا أنّ نائب محافظ بنك إسرائيل، أندرو أبير، أوضح، ردًا على الانتقادات الموجّهة إلى البنك بسبب امتناعه عن إضعاف الشيكل (“صحيفة كلكليست” الاقتصادية، 11 أيار/مايو)، أنّه لا يستبعد اللجوء إلى خفض أسعار الفائدة أو التدخل في سوق العملات إذا ما بات سعر الصرف يهدد الحد الأدنى لهدف التضخم. ويشير أبير إلى أنّه كلما اقتربت معدلات التضخم من الحد الأدنى المستهدف، يزداد المجال أمام البنك للنظر في استخدام أدواته المتاحة للحد من تراجع سعر الدولار. فعندها قد يتحوّل تراجع سعر الصرف إلى عبء على الاقتصاد الإسرائيلي ككل، بما يهدّد استقرار الأسعار وقد يؤدي أيضًا إلى ارتفاع معدلات البطالة.
رابط قصير:
https://madar.news/?p=358962



