الشريط الأخباري

هل تحوّل الشيكل القوي إلى عبء على الاقتصاد الإسرائيلي؟

مدار نيوز، نشر بـ 2026/06/04 الساعة 11:39 صباحًا

مدار نيوز \

توقّع العديد من المحللين الاقتصاديين أن يشهد الاقتصاد الإسرائيلي تراجعًا حادًا نتيجة الحروب التي خاضتها إسرائيل منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. غير أن الواقع أظهر أن الاقتصاد الإسرائيلي يتمتع بقدرة على امتصاص التداعيات الاقتصادية والمالية للحرب، مع تكاليفها وأعبائها، الأمر الذي حدّ من حجم التراجع الذي كان متوقعًا في بداية الحرب.

صحيح أن معدلات النمو الاقتصادي في إسرائيل تراجعت خلال الأعوام 2023–2025 مقارنة بمستوياتها في السنوات السابقة، إلا أن الاقتصاد لم يشهد انكماشًا حادًا كما توقع كثير من المحللين في بداية الحرب. ولم يشهد الاقتصاد الإسرائيلي أزمة بطالة واسعة النطاق، كما لم يطرأ تراجع جوهري على مستويات الدخل. وتمثلت التداعيات الاقتصادية الأبرز للحرب في الارتفاع الكبير في العجز المالي الحكومي، إلى جانب الزيادة الملحوظة في حجم الدين العام نتيجة النفقات العسكرية والأمنية المتزايدة.

يُعزى جانب مهم من قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على مواجهة الأزمات الأمنية وتحمل التكاليف الاقتصادية والمالية للحروب إلى قوة قطاع التكنولوجيا المتقدمة (الهايتك) والصناعات العسكرية. فهذان القطاعان يشكلان ركيزة أساسية للاقتصاد الإسرائيلي، نظرًا لمساهمتهما الكبيرة في الناتج المحلي الإجمالي، ودورهما المركزي في خلق فرص العمل، إضافة إلى مستويات الأجور والدخل المرتفعة فيهما مقارنة ببقية فروع الاقتصاد.

إلا أن هذين القطاعين يواجهان منذ عام 2026 تحديًا جديدًا يتمثل في تراجع سعر صرف الدولار أمام الشيكل. فارتفاع قيمة الشيكل يضغط على أرباح شركات التكنولوجيا المتقدمة والصناعات العسكرية، ويؤدي إلى تآكل جزء من إيراداتها وربحيتها، نظرًا لاعتمادها الكبير على التصدير والأسواق العالمية، في حين أن الجزء الأكبر من إيراداتها يُحصَّل بالعملات الأجنبية، وفي مقدمتها الدولار.

وتزداد حدة هذه المشكلة لأن معظم تكاليف التشغيل والأجور تُدفع بالشيكل، الأمر الذي يرفع الكلفة الفعلية للإنتاج والتشغيل مقارنة بالإيرادات المحققة من الخارج. وإذا استمرت هذه الحالة لفترة طويلة، فإن آثارها قد لا تقتصر على هذه القطاعات وحدها، بل قد تمتد إلى الاقتصاد الإسرائيلي ككل.

مكانة قطاع التقنيات الفائقة في الاقتصاد الإسرائيلي

أظهر تقرير حالة قطاع التكنولوجيا المتقدمة (الهايتك) لعام 2026، الصادر عن سلطة الابتكار الإسرائيلية، استمرار النمو الملحوظ للقطاع خلال عام 2025. فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي لقطاع الهايتك نحو 352 مليار شيكل، مسجلًا نموًا حقيقيًا بنسبة 8.2% مقارنة بعام 2024.

كما ارتفعت حصة القطاع من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي عام 2025 إلى 18.3%، مقارنة بـ17.7% في العام السابق. ووفقًا للتقرير، أسهم قطاع الهايتك بنحو نصف النمو الاقتصادي الذي حققه الاقتصاد الإسرائيلي خلال عام 2025، إذ شكّل نمو القطاع ما نسبته 1.44 نقطة مئوية من إجمالي معدل النمو الاقتصادي البالغ 2.9%.

وعلى صعيد التجارة الخارجية، ارتفعت صادرات الهايتك إلى نحو 85 مليار دولار، لتشكل ما يقارب 58% من إجمالي الصادرات الإسرائيلية، الأمر الذي يؤكد الدور المحوري لهذا القطاع في توفير العملات الأجنبية وتعزيز مكانة إسرائيل في الأسواق العالمية.

ويعمل في قطاع التكنولوجيا المتقدمة (الهايتك) نحو 400 ألف موظف، ما يعادل قرابة 11.5% من إجمالي العاملين في الاقتصاد الإسرائيلي. ولا تقتصر أهمية هذا القطاع على مساهمته في التشغيل والنمو الاقتصادي، بل تمتد أيضًا إلى دوره المركزي في الإيرادات العامة للدولة. فقطاع الهايتك مسؤول عن نحو 30% من مجمل العائدات الضريبية. أما على صعيد ضرائب الشركات، فيسهم قطاع الهايتك بنحو 12% من إجمالي إيرادات ضريبة الشركات في إسرائيل.

ويُعدّ اعتماد قطاع التكنولوجيا المتقدمة (الهايتك) على التصدير والاستثمارات بالدولار أحد أبرز نقاط ضعفه في المرحلة الحالية، إذ يجعله شديد الحساسية لتقلبات أسعار الصرف. وقد أدى تراجع سعر الدولار خلال عام 2025، وبصورة أكبر خلال عام 2026، إلى تقليص ربحية العديد من الشركات، نظرًا لأن الجزء الأكبر من إيراداتها يُحصَّل بالدولار، في حين تبقى نفقات الأجور والتشغيل مقومة بالشيكل.

ارتفاع صادرات الأسلحة وتراجع الأرباح

تشهد الصناعات العسكرية والأمنية الإسرائيلية وضعًا مشابهًا، من بعض الجوانب، لقطاع التكنولوجيا المتقدمة. فعلى الرغم من الارتفاع الكبير في حجم المبيعات والصادرات، تواجه هذه الصناعات تحديات اقتصادية نتيجة تقلبات أسعار الصرف وارتفاع تكاليف الإنتاج.

وتشير المعطيات إلى أن صادرات الأسلحة والصناعات الأمنية الإسرائيلية ارتفعت من 14.8 مليار دولار عام 2024 إلى 19.2 مليار دولار عام 2025، مسجلة بذلك مستوىً قياسيًا جديدًا. وبهذا تكون مبيعات الأسلحة الإسرائيلية قد تضاعفت خلال السنوات الخمس الأخيرة، وارتفعت إلى نحو أربعة أضعاف مقارنة بما كانت عليه قبل عقد من الزمن.

تراجع سعر الدولار يثقل على الأرباح

يشكّل تراجع سعر صرف الدولار أمام الشيكل أحد أبرز التحديات التي تواجه القطاعات التصديرية في إسرائيل خلال الفترة الحالية. فمنذ بداية العام الجاري، انخفض سعر الدولار بنحو 12% مقابل الشيكل، فيما بلغت نسبة التراجع نحو 20% خلال الأشهر الاثني عشر الماضية.

وقد انعكس هذا التطور سلبًا على غالبية الصناعات الإسرائيلية المعتمدة على التصدير والأسواق العالمية. فبحسب معطيات اتحاد الصناعيين الإسرائيليين، ورغم تسجيل الصادرات الإسرائيلية نموًا بالقيمة الدولارية خلال الأشهر الأولى من العام الحالي، فإن قوة الشيكل أدت إلى تآكل جزء كبير من العائدات عند تحويلها إلى العملة المحلية، ما حوّل هذا النمو، في كثير من الحالات، إلى تراجع فعلي من حيث الإيرادات والأرباح.

وبحسب اتحاد الصناعيين الإسرائيليين، ارتفعت الصادرات الصناعية الإسرائيلية، باستثناء الألماس، بنسبة 5% خلال الفترة الممتدة بين كانون الثاني/يناير ونيسان/أبريل 2026، من 17.5 مليار دولار إلى 18.3 مليار دولار. غير أن هذه المعطيات تخفي صورة مختلفة عند احتساب الإيرادات بالشيكل. فبفعل الارتفاع الحاد في قيمة العملة الإسرائيلية وتراجع سعر صرف الدولار، انخفضت القيمة الفعلية للصادرات بنسبة 10%، من 63.4 مليار شيكل في الفترة نفسها من العام السابق إلى 56.7 مليار شيكل هذا العام. ويعني ذلك أن القطاع الصناعي تكبّد خسارة فعلية تُقدّر بنحو 6.7 مليارات شيكل، رغم الزيادة المسجلة في حجم الصادرات بالدولار.

انعكس تراجع العائدات على معظم قطاعات الصناعات الإسرائيلية، إذ سجل 21 فرعًا من أصل 27 فرعًا صناعيًا انخفاضًا في الصادرات عند احتسابها بالشيكل. ففي قطاع التكنولوجيا المتقدمة (الهايتك)، الذي يشكل نحو 42% من إجمالي الصادرات الصناعية الإسرائيلية، ارتفعت الصادرات بنسبة 4.6% بالدولار، لكنها تحولت إلى تراجع بنسبة 11% بالشيكل، ما يعني خسارة تقدر بنحو 3 مليارات شيكل. كما ارتفعت صادرات قطاع الإلكترونيات بنسبة 5% بالدولار، لكنها تراجعت بنحو 11% بالشيكل، بخسائر وصلت إلى 2.4 مليار شيكل، فيما سجل قطاع الكيماويات نموًا بنسبة 2% بالدولار، تحول إلى تراجع بنسبة 13% بالشيكل، بخسائر تقدر بنحو 1.7 مليار شيكل.

أما قطاع الأدوية، فتراجعت صادراته بنسبة 6% بالدولار، وعمّق ارتفاع الشيكل هذا التراجع إلى نحو 20% عند احتسابها بالعملة المحلية، بما يعادل نحو 477 مليون شيكل. وسجلت الصناعات التقليدية أكبر نسبة تراجع، إذ انخفضت صادراتها بنسبة 4.3% بالدولار، لكنها تراجعت بنسبة 18.3% بالشيكل، بخسائر قدرت بنحو 904 ملايين شيكل.

الآثار الأوسع لتراجع سعر الدولار

تُظهر هذه المعطيات أن قوة الشيكل باتت تشكل تحديًا متزايدًا للقطاعات التصديرية. ويزداد هذا التحدي في ظل السياسات الاقتصادية التي تنتهجها الإدارة الأميركية والهادفة إلى إضعاف الدولار عالميًا بهدف تعزيز القدرة التنافسية للصناعات الأميركية في الأسواق الدولية.

صحيح أن تراجع سعر الدولار أمام الشيكل يسهم في خفض أسعار السلع المستوردة ويحدّ من الضغوط التضخمية، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على مؤشر أسعار المستهلك، إلا أن لهذه الظاهرة آثارًا سلبية متزايدة على قطاعات الإنتاج والتصدير. فالخسائر الناجمة عن تراجع قيمة الإيرادات الدولارية باتت تثقل على أرباح الشركات العاملة في الصناعة والخدمات، ولا سيما تلك التي تعتمد بصورة أساسية على الأسواق الخارجية.

وتبرز هذه التأثيرات بشكل خاص في قطاعي التكنولوجيا المتقدمة (الهايتك) والصناعات العسكرية، اللذين يشكلان معًا العمود الفقري للصادرات الإسرائيلية ومصدرًا رئيسيًا للنمو الاقتصادي. كما أن هذين القطاعين أسهما بأكثر من نصف النمو الاقتصادي الذي حققته إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، ويشكلان مصدرًا مهمًا للإيرادات الضريبية. ومن ثم، فإن استمرار قوة الشيكل لفترة طويلة قد لا يقتصر تأثيره على أرباح الشركات وحدها، بل قد يمتد ليؤثر في وتيرة النمو الاقتصادي، وحجم الإيرادات الحكومية، وقدرة الاقتصاد الإسرائيلي على الحفاظ على مستويات أدائه الحالية.

فاستمرار تآكل أرباح القطاعات التصديرية قد يدفع بعض الشركات إلى تقليص استثماراتها أو خفض عدد العاملين فيها، الأمر الذي قد ينعكس على مستويات التشغيل ويرفع معدلات البطالة. كما أن تراجع الأرباح سيؤدي، على الأرجح، إلى انخفاض حصيلة الضرائب التي تجبيها الدولة من الشركات والعاملين في هذه القطاعات، وهو ما قد يفاقم العجز المالي الحكومي ويزيد من الضغوط على الدين العام.

وبذلك، يتحول تراجع سعر صرف الدولار إلى ما يشبه “كرة ثلج متدحرجة”، تبدأ آثارها في أرباح الشركات المصدّرة، لكنها قد تمتد لاحقًا إلى النمو الاقتصادي، وسوق العمل، والإيرادات الحكومية، والاستقرار المالي بصورة أوسع.

وفي حال استمر تراجع الدولار أمام الشيكل خلال الفترة المقبلة، يمكن توقع ازدياد الضغوط على بنك إسرائيل للتدخل في سوق العملات. فالبنك المركزي، الذي امتنع حتى الآن عن اتخاذ خطوات مباشرة للتأثير على سعر الصرف، قد يجد نفسه مضطرًا خلال الأشهر القادمة إلى التدخل للحد من استمرار قوة الشيكل، إذا ما تبين أن ذلك بات يشكل خطرًا على أداء الاقتصاد الكلي.

رابط قصير:
https://madar.news/?p=360021

تعليقات

آخر الأخبار