الاسيرة الاولى كانت صحفية خطرة جدا..كتب عماد الاصفر
مدار نيوز: كانت مثقفة حادة التفكير، ذات ذكاء واطلاع واسع، وسيدة من سيدات المجتمع في عكا بدايات القرن الماضي، حين إجتاح البلاد خطر هجرة اليهود وبيع وتسريب الاراضي لهم.
شاء القدر ان يكون التصدي لهذا الخطر، الشغل الشاغل لصيدلي لبناني الاصل يعمل في المستشفى الاسكتلندي بطبرية، وهو ما دفعه الى التخلي عن مهنته، وتاسيس جريدة الكرمل عام 1908 لتكون من اوائل الصحف الفلسطينية ترتيبا، والاولى دون منازع في التنبيه لخطر الاطماع الصهيونية، بل والتصدي لهذه الاطماع: نظريا عبر صفحات الجريدة، ووجاهيا مع الناس، وعمليا على الارض.
وشاء القدر كذلك ان يجمع الصيدلي الصحفي اللبناني نجيب نصار بالسيدة الفلسطينية اللامعة ساذج بديع الله برباط الزواج، لتبدأ فصول حياة جديدة من الحب والنضال. حيث سارت مع زوجها يدا بيد وساعدته على تحرير صحيفته حتى يومها الأخير.
كتب محمد موسى المغربي في مقال بصحيفة “المنادي” : “زرنا زميلنا في الجهاد الوطني وزعيم الفرقة القائلة بضرر الاستعمار الصهيوني على الدولة والأمة والبلاد نجيب أفندي نصار، صاحب ومحرر جريدة “الكرمل” ولولا ان مجال جريدتنا لا يحتمل الاسهاب لأفضنا أكثر مما يراه القارئ الآن في الشكوى من حال الصحافيين الأحرار، ومما يجده من نزاهة أخلاقه وعفة مروءته من العنت والضيق بمناسبة ما رأينا عليه صاحب الكرمل (وهو نفسه الذي يحررها) … يضطر إلى تنضيد حروف جريدته، وتحريك آلاتها وتوزيع نسخها، وكتابة عنوانات مشتريكها بيديه” .
ومن الاتراك الى الانجليز، عاش بين اغلاق واغلاق، ومن مطاردة وضيق حال الى حكمٍ بالاعدام وفرار، ثم اعتقال فافراج، وقد كان لزملائه من محرري الصحف الفلسطينية دور بارز في تأمين الافراج عنه، ظل شيخ الصحفيين الفلسطينيين يكتب في اكثر من صحيفة ويقوم بجولات مكوكية للقاء ملاك الاراضي والزعامات الوطنية رافعا صوته عاليا للتحذير من بيع وتسريب الاراضي.
رغم فقره المدقع اُضطر يوما لشراء مزرعة في بيسان حتى لا تباع ويبنى عليها مستوطنة، وتمكن من تأخير بناء “التخنيون” ثلاث سنوات نتيجة مقالات الاحتجاج المكثفة في “الكرمل” ولكن الحكومة العثمانية أجازت البناء بعد أن تدخلت الحكومة الألمانية لدى القسطنطينية.
هكذا كان هو، اما هي فقد كانت مسئولة عن تحرير الصفحة النسائية في الجريدة ، وعملت سكرتيرة للاتحاد النسائي العربي، ثم اصدرت في الثلاثينيات ” رسالة الكرمل ” وكانت تعنى بشؤون المرأة ، وأصبحت لاحقا رئيسة تحرير ” الكرمل الجديد” بعد اغلاق الكرمل الاصلية عام 1941.
كتب عنهما يعقوب يهشواع: “في سنة 1933 سافرت إلى حيفا للقاء نجيب نصار، صاحب جريدة “الكرمل” كان قصير القامة يميل الى البدانة، يلبس طربوشاً مائلاً للأمام، كتجار بيروت. وقد قضيت في حيفا يومين في مطبعته وتصفحت مجلدات صحيفة “الكرمل”. وكانت المطبعة تتألف من غرفتين صغيرتين وعدة جوارير للحروف، وفيها يشتغل عاملان، الى جانب السيدة نصار التي ساعدت زوجها في تحرير صحيفته. وقد فتح نجيب نصار أمامي قلبه وأخبرني عما يلاقيه من معاناة وعدم تقدير وقلة دعم” .
وكان نصار قد عبر ذلك قائلا: “لاقيت مقاومات شديدة من كثير ممن توقعت ان يكونوا أعظم الأنصار، فحاولوا خنق صوت “الكرمل” وإطفاء نورها. وخلاصة القول عندما أستعرض الحالة التي صرنا إليها بعد ذلك الجهاد الطويل، أسائل نفسي: أكنت أخدع أمتي؟ وأدعوها للتفرقة والخصومات والمشاحنات والانقسامات والفساد والوشايات والجاسوسية واللصوصية وبيع أراضيها، وانصرفت أمتي الى الفساد والدس والتجسس بعضها على بعض والى المنازعات حتى ما عاد العربي يرى غير العربي عدواً له !!؟
خاض على صفحات “المقطم” نقاشا حادا على مدى 16 مقالا حول خطر الهجرة اليهودية مع الصحفي اللبناني انطوان الجميل الذي عارض ذلك بشدة واقترح التخلي عن فلسطين لتأمين بقية الدول العربية، وانتهى النقاش بمقال نشره الجميل في الأهرام وختمه بالقول: “معك الحق، كل الحق ولكنك تخدم أمة لو علمت ان الشتيمة تنفعك، لضنت بها عليك”.
يروي الياس جبور عن والده : كان الفقر قد أخذ من نجيب نصار وعائلته كل مأخذ بعد أن أضطر لاغلاق جريدته، بعد طول كساد، حتى كان بالكاد يجد ما يسد به الرمق أو ما يكسو به جسده وقد تقدمت به السن ولم يعد يحسن عملا فكانت زوجته الوفية ورفيقة عمره السيدة ساذج تغسل له ثيابه في المساء ليجد ما يلبسه في الصباح وما أن استيقظت ذات يوم لتسرع في احضار ملابس زوجها حتى تجد أن الغسيل قد اختفى عن الحبال!!… فأخذت تتأفف وتتبرم من هذا الوضع المزري الذي وصل اليه حال زوجها فأجابها باسلوبه الهادف الرصين، يهدىء من روعها ويطيب خاطرها قائلا: “ايه يا ساذج!! من قال لك أن تتزوجي من صحفي صاحب مبدأ، لو تزوجت من صحفي مذبذب لكان بنى لك القصور والعلالي”!!…
اعتقلت ابان الحرب العالمية الثانية، بتهمة امداد الثورة بالسلاح، لتكون أول صحفية فلسطينية تدخل السجن في عهد الاحتلال البريطاني وربما أول سجينة سياسية في العالم العربي، حُكمت بالسجن لمدة عام حيث تم اعتبارها ” امرأة خطرة جداً “.
كتب لها زوجها يومها رسالة يقول فيها: “إذا لم ادخل التاريخ بسبب جريدة (الكرمل) فسوف ادخله بسبب زوجتي التي تعتبر أول سيدة تدخل زنازين الاحتلال البريطاني”.
توفي في الناصرة قبل النكبة باشهر عن 75 عاما، مخلفا وراءه سيرة وطنية ناصعة ومئات المقالات وعدة كتب منها: “الصهيونية” وروايتا “نجدة العرب” و”وفاء العرب” و”مفلح الغساني” و” في ذمة العرب” و”الزراعة الجافة”. وتوفيت بعده ب 15 عاما انشغلت خلالها بتأهيل ابنها فاروق ليمتهن الصحافة كابيه.
#اضراب_الكرامة
رابط قصير:
https://madar.news/?p=38925



