ماذا حصل في جامعة بيرزيت؟… عثمان بزار
على مدار عقود من الزمن يستمر كيان الإحتلال الإسرائيلي بشن حملات عديدة ممنهجة عنوانها إستهداف جامعة بيرزيت وطلابها، كان اَخرها عملية إقتحام غير مسبوقة لحرم الجامعة نفذتها وحدات خاصة (مستعربين)، أدت إلى إعتقال رئيس مجلس طلبتها عمر الكسواني.
عملية الإقتحام تلك هدف من خلالها الإحتلال كسر الوعي الوطني لطلبة جامعة بيرزيت، وتوجيه رسالة لهم بأنه لا أحد منهم اَمن حتى لو كان على مقاعد دراسته، لكن الإحتلال كما في المرات السابقة فشل في تحقيق مبتغاه، وهذا ما جسده طلاب الجامعة عندما نظموا السبت الماضي على مختلف مشاربهم الوطنية فعالية وطنية في حرم الجامعة، جددوا فيها تصميمهم على إستكمال مسيرة النضال والثورة، وتحقيق الثوابت الوطنية الفلسطينية.
فعالية السبت أتبعها طلاب الجامعة بنضال فعلي على الأرض، فقادوا بعد يومين مسيرة سلمية حاشدة تجاه مغتصبة بيت إيل، وهناك في الميدان شاهد الكثيرون ردة فعل الطلاب الطبيعية والمتوقعة.
أحد المشاهد أصيب فيها طالب من الجامعة فتشبث به زميل له محاولاً إنقاذه، حتى قدم جنود الإحتلال، فتعرض هو الاَخر لضرب مبرح، كما أصيب هناك عدد من الطلبة إصابات بالغة، وتناثرت دمائهم على أرض المواجهة، من بينهم طالبين أصيب أحدهم إصابة بالغة في رأسه سببت له كسوراً في الجزء الأمامي من الجمجمة، والاَخر في قدمه سببت له قطعاً في أحد الشرايين، ولم يكتف الطلاب بذلك، فقاموا بعد إنتهاء المواجهات بالذهاب إلى المستشفى للوقوف بجانب زملائهم المصابين، وبقوا على هذه الحالة لساعات ينتظروا أي خبر يطمأنهم عنهم.
إن عملية إقتحام جامعة بيرزيت لم تشكل مفاجأة كبيرة لدى الكثيرين، فذلك الأسلوب هو نهج
يستمر الإحتلال الإرهابي بإتباعه منذ عقود من الزمن، فهو نفسه الذي دنس المساجد والكنائس، وإقتحم المدارس والمستشفيات والجمعيات الإنسانية، والمرافق العامة والخاصة، وغيرها، وهو نفسه الذي إنتهك رموز السيادة الفلسطينية، وأيضاً سيادة دول أخرى.
إن التبعات التي رافقت عملية الإقتحام تستحق الوقوف عندها والتعليق عليها، وأقصد هنا الظلم الكبير الذي تعرض له طلبة وأمن الجامعة، فبعد عملية الإقتحام إنهالت التعليقات غير الوطنية العابرة للمحافظات والقارات من وراء الشاشات، تحمل الطلبة وأمن الجامعة مسؤولية إقتحام الجامعة وإعتقال الكسواني، كأن أصحاب هذه التعليقات إنتظروا حدوث مجزرة بحق الطلاب، وبنفس الوقت خلت إتهاماتهم وإشاراتهم إلى الإحتلال نفسه، كأنهم بذلك يعطونه شهادة براءة، مما يعكس جهل هؤلاء بطبيعة جامعة بيرزيت وطلابها. لذلك لا بد هنا من توضيح بعض النقاط المهمة حول هذه الحادثة.
أولاً: إقتحم الإحتلال الإسرائيلي حرم الجامعة تقريباً بعد الساعة 4 عصراً، مما يعني أن أغلب الطلاب كانوا مغادرين، ولم يكن يتواجد إلا عدد قليل من الطلاب، أغلبهم كان في المحاضرات، لذلك فإن الإحتلال تعمد الإقتحام في هذا الوقت، وليس مثلاً في ساعات الظهيرة.
ثانيا: السرعة والمفاجأة أسلوبان معتمدان في صلب العقيدة العسكرية الإسرائيلية، سواء في المعارك أو الحروب أو العمليات المحدودة كالتي حصلت في الجامعة، فعملية الإختطاف لم تتعد الدقيقتين، كما أن المسافة بين مقر المجلس والمدخل الرئيسي حوالي 100 متر، يمكن قطعها بسرعة في أقل من دقيقة.
ثالثاً: إنه إفتراء كبير أن يتهم طلاب الجامعة بعدم تصديهم للقوة المقتحمة، وهذا ما تنفيه الوقائع على الأرض التي أثبتت أن طلاب الجامعة رغم قلة عددهم تصدوا لجنود الإحتلال بصدورهم العارية، وقد أصيب بعضهم وتناثرت دماؤه على أرض الجامعة، ونقل إلى المستشفى للعلاج.
رابعاً: إن جامعة بيرزيت تقع في منطقة شبه منعزلة على الأطراف، وهي تبعد عن مدينة رام الله حوالي 7 كيلو، وعن معسكر حاجز عطارة أقل من 3 كيلو، وتلك مسافة مثالية لتأمين الإحتلال الإسرائيلي إنسحاب اَمن لجنوده.
خامساً: إن رجال أمن الجامعة لا يقلوا نضالاً ووطنية عن الطلبة، فهناك العديد منهم شاركوا في مراحل النضال المختلفة، وأسروا في سجون الإحتلال، والأسابيع القليلة الماضية شهدت تحرر أحد رجال أمن الجامعة من سجون الإحتلال.
إن طلبة جامعة بيرزيت خلفوا إرثاً نضالياً كبيراً يحتذى به في مراحل دقيقة من النضال الفلسطيني، فهم من قادوا الإنتفاضات والهبات والفعاليات ضد الإحتلال الاسرائيلي، وقدموا عشرات الشهداء، كان أولهم الشهيد شرف الطيبي، واَخرهم الشهيد محمد أبو غنام، وأيضاً قدموا عشرات الأسرى، من بينهم الأسير عمار مرضي المعتقل منذ أكثر من 18 عاماَ، والمحكوم مدى الحياة، هذا بالإضافة إلى عشرات الجرحى والمصابين.
إن أساليب النضال في جامعة بيرزيت متعددة بتعدد الفكر السياسي والوطني لطلبة الجامعة، فكل فتاة وشاب فيها له أسلوبه النضالي الخاص به، فمنهم قاد وإشترك في الكفاح السلح، أو نشط في حركات مقاطعة الاحتلال الاسرائيلي (BDS)، أو برع في المقاومة الشعبية، أو قاوم الإحتلال ثقافياَ وعلمياَ وإجتماعياَ، ولا ينسى أيضاً أنه بفضل الطلبة أصبحت جامعة بيرزيت مكاناَ خالياَ من البضائع الإسرائيلية.
وبذلك غدت جامعة بيرزيت قلعة نضالية أسطورية، وهذا ما يفسر التحريض
والإستهداف المستمر من قبل الإحتلال الإسرائيلي ضدها، أكثر من أي جامعة فلسطينية أخرى.
رابط قصير:
https://madar.news/?p=78585



