البرغوثي اسطورة الماء والملح والقيادة بالجوع، وصمت القيادة المريب د. نهاد خنفر
الاضراب الذي يخوضه الاسرى الفلسطينيون حاليا يأتي استتباعا لإضرابات كثيرة سابقه استخدمها الاسرى كرصاصة أخيرة في الدفاع عن قضاياهم ومطالبهم الإنسانية.
عندما تقرر ان تجوع وتقلص من جغرافية جسدك، هو الوقت الذي تكون قد قاربت فيه على الانفجار.
قرار الاضراب هو قرار قاسٍ، لا يتم بلورته الا عند رؤية الطوفان يتسلل من جدران السد المتشققة بفعل الإهمال وسوء التقدير والاتكالية وعدم الاكتراث. الاضراب يتحول الى سلاح أخير لصيانة السد من التصدعوالتشقق، حتى لا تؤول الأمور الى فيضانات لا يعقبها الا جفاف ودمار ويباس.
من قراءتنا للتاريخ، وخصوصا ذلك المتعلق بالحركة الفلسطينية الاسيرة، كان الاضراب دائما موجها ضد إدارة السجون، ضد قمعها وصلفها ولا انسانيتها التي اخترقت قعر الحضيض بأميال، ولا زالت تهرول سراعا الى ما هو أدني من ذلك.
في هذا الاضراب، يبدو ان القصة مختلفة نوعا ما، فعلى الرغم من أن المضربين وقائد الاضراب المناضل مروان البرغوثي يسوغون اضرابهم بالقضايا المطلبية المحقة التي تمس انسانيتهم وما يرتبط منها بظروف اعتقالهم، الا ان القراءة المتعمقة تأخذنا في رحلة مختلفة من عتمة الزنازين الى خارج اسوار الاعتقال.
يعلم الاسرى، وعلى رأسهم القائد الكبير البرغوثي، وهو السياسي المتمرس الذي عرك السياسة وماحَكَها ردحا طويلا من عمره المبتسر منه 20 عاما خلف القضبان، وبضع من السنين العجاف خلف حدود الوطن مبعدا.
تغلغل مروان في الوعي القيادي الفلسطيني وقرأ بعمق تلابيب عقله السياسي، واستقرأ حلال السياسة وحرامها وما بينهما من أمور مشتبهات.
وبتجربته الشخصية الحية، فقد خبر الواقع السياسي واختبره طيلة عقود من الزمن، ولربما من الملفت بأن القائد البرغوثي خدم في أروقة السياسة الفلسطينية بداية من مناضل يافع فتي مرورا بكل الرتب، حتى اعلى هرمها، ولهذا فان فهمه للمعادلات السياسية والتنظيمية ولا شك، فهم عملي متقدم، وقد يفوق اقرانه بكثير.
دأب الاحتلال الإسرائيلي على طمس هوية مروان القيادية، بل، إنه اطنب في عزله وابعاده عن أي تفاعل مع خارج الاسوار. وفي ذات السياق، شهد مروان “كقائد وطني كبير” عملية منظمة من التغييب المباشر فلسطينيا، وفتحاويا، ان كنا نبتغي الدقة في وصف الحال وتشخيصه كما هو.
دل على ذلك مؤخرا، استثناء مروان، برغم فوزه المجلجل بعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح، من توزيع المناصب داخل اللجنة المركزية تحت ذرائع وحجج شتى، ومنها تجنب عبثية التعيين الذي تفرضه ظروف الاعتقال والعزل.
لكل مراقب، وان كان عن بعد، ان يسأل سؤالا بريئا دون التعريج على حقل الاشواك التنظيمية او بحور الألغام القيادية، الم يكن ممكنا ان يتم فرز مروان كعضو لجنة مركزية عن فتح لمتابعة ملف الاسرى والمعتقلين، هذا في حالة وضعنا كل العقبات والمبررات امام تعيينه نائبا لرئيس حركة فتح. معنيان واضحان، يبدو انهما تساكنتا في فهم مروان التنظيمي ووعيه السياسي، ودون التباس، بأن القفز عن فرزه او تفريغه على ملف من الملفات التنظيمية والوطنية كملف الاسرى، والذي ترسخ في الوجدان والضمير الفلسطيني والعربي والإنساني والحقوقي بأنه جزء من المأساة الفلسطينية الحية، وتجاهل مروان كقيادي من وزن خاص، على الأقل داخل اسوار الاسر والاعتقال، قد أصاب كرامته وكيانيته الوطنية والتنظيمية في عصبها الأساسي.
ولعل هذا قد أرسل له ولرفاقه الاسرى والمعتقلين، وخصوصا في فصائل منظمة التحرير، رسالة واضحة وقاسية في ذات الوقت، بأن الاسرى لا يقبعون على سلم أولويات القيادة الفلسطينية، الفتحاوية تحديدا، ويبدو بأنهم لن يكونوا كذلك.
في غمرة التشويش الهائل على المكانة التي يحظى بها الاسرى في الضمير الشعبي، وخصوصا تلك التي توجت مروان كقائد يرسخ قياديته بالألم والمعاناة والجوع، برزت أسئلة مهمة وحيوية ركنت نفسها في عقول الاسرى المضربين، وبحجم أكبر في عقل مروان البرغوثي.
أسئلة ثقيلة ومتفاقمة لها علاقة بالبوصلة الفلسطينية الهائمة على ذاتها وفي بحر اتجاهاتها المعقد، والضياع القيادي الفلسطيني الوطني والفتحاوي في ضبط هذه البوصلة، والموت السريري التام لأي رؤية من أي نوع كان لحمايتها من الأمواج العاتية، وفوق كل هذا تعويم قضية الاسرى بشكل ذاتي قد يغرقها في ظلمات بحر لجي ليس له قرار.
امام كل ذلك، كان لا بد من إعادة الضوء الى البقع المظلمة في غياهب الزنازين، كان لا بد من رسائل حاسمة تصل لكل من يهمه الامر. السجان الإسرائيلي وعنجهيته المتفاقمة يوما إثر يوم، واستخفاف القيادة الفلسطينية بالمكانة الوطنية للأسرى، وبمرموقية القائد مروان ودوره الريادي في التكوين الوطني والفتحاوي.
يبدو ان الاضراب عن الطعام، عاد مرة أخرى، كما هي حلقات الاضراب في مسلسل التاريخ، سلاحا فعالا على الأقل في احداث الضجيج، وإيقاذ النيام من غفوتهم الطويلة، ورسالة مبرمجة بأن الاسرى يستطيعون فرض جداولهم على رأس أولويات العمل الشعبي مرة بعد مرة.
لكن الحدس القيادي للقائد البرغوثي لم يخيبه هذه المرة أيضا، فعلى الرغم من مرور شهر على بدء الاضراب، الا ان القيادة آثرت على نفسها عدم التفاعل مع الاضراب وبما يليق به من مدخلات وطنية ومخرجات سياسية قد تكون رصيدا لها امام العالم، او لربما أداة فاعلة في تحقيق بعض الإنجازات.
الا ان الحقيقة التي تصرخ بأعلى صوتها، وأصبحت يقينا لدى الشارع وقطاعاته المتفاعلة مع الاضراب، بأن القيادة تتجنب اتخاذ أي قرارات وازنة تدعم الاضراب وتقوي من ركائزه وتعزز مكتسباته على كل المستويات، كل الإشارات الصادرة عن القيادة تؤكد اعتمادها على اللامبالاة في التعاطي مع تطورات الاضراب وكيفية تعاطي الشارع الفلسطيني والعربي والدولي معه.
كان طبعا للقيادة ان تتخذ خطوات أكثر حزما وحسما ووضوحا في الوقوف مع الاضراب، ومع قائده الوطني مروان البرغوثي إن ارادت، على الأقل بشكل رمزي، كما فعلت حكومة جنوب افريقيا وقيادتها السياسية بالإضراب عن الطعام كتضامن مع الاسرى المضربين، ومثلها الكثير من الخطوات.
طبعا نستطيع ان نستقريء أن قدرة القيادة على الفعل كبيرة جدا، وهي التي عودتنا على دعم “الجهد الوطني” وحشد الجماهير العربية من المحيط الى الخليج لدعم المتسابقين الفلسطينيين في برنامج (اراب ايدول) وقد أنجزت في ذلك الكثير، بعد ان بذلت المال والجهد وشكلت غرف العمليات وجندت المؤسسات والشركات الفلسطينية في معاركها تلك.
من هذه المقارنة البسيطة فانالادراك المتنامي في هذا السياق، هو ان النواة الأولى في القيادة الفلسطينية لا تريد ان تسجل موقفا لمروان البرغوثي، ولاتريد ان تساعده في ترويج نفسه كقائد وطني يحظى بشعبية لا مثيل لها في أوساط القيادة الحالية على الاطلاق. يمكن ان نكون مطمئنين في تحليل الأمور وفهمها، بأن صمت الصف الأول، واتخاذه موقف الحياد، وحتى بدرجة اقل من الصليب الأحمر، له علاقة بمسألة خلافة الرئيس عباس ووراثته.
نجاح الاضراب بقيادة البرغوثي واصطفاف القيادة خلفه، كما يعتقد الكثير من المراقبين، والقياديين أيضا، سيحوله عمليا الى مانديلا الفلسطيني الذي سيلفت انظار العالم اليه بأنه الاحق في قيادة الشعب الفلسطيني في المستقبل غير البعيد، ولا خلاف على احقيته بقيادة الشعب الفلسطيني، وما ينطبق هناعلى حركة فتح ينطبق على حركة حماس أيضا، لكن مع بعض التفصيلات الحزبية واعتباراتها وتأثيراتها المختلفة بين الفصيلين.
رابط قصير:
https://madar.news/?p=41363



