الضابط سرق الساعة …وديع عواودة يكتب لـ مدار : السر الذي يسعون لطمسه !
مدار نيوز \ في الذكرى السنوية لاحتلال اللد والرملة نشرنا أمس اعترافات نادرة قال ضابط إسرائيلي( أوري ياروم في كتابه : “جناح الترانيم” ) إنه سرق ساعة كبيرة من أحد بيوت مدينة اللد في نكبة 1948 وإنه ما زال يحتفظ بها معلقة في منزله مشيرا إلى أنه يشعر بـ وخزات ضمير ” : “كلما تحرك عقرب الساعة يمنة ويسرة ويلازمه شعور وكأنها تتحدث له وتقول لماذا سرقتني.
يشار أن مدينة اللد قد شهدت في الثاني عشر من يوليو/ تموز 1948واحدة من أبشع المجازر السبعين التي تعرض لها الفلسطينيون خلال ذلك العام، حيث قتل العشرات داخل مسجد دهمش وحرقت جثامين الضحايا بمقبرة المدينة.
وفي مذكراته ” بنكاس شيروت” يقر رئيس الوزراء الأسبق اسحق رابين نائب قائد العمليات في المنطقة بأن دافيد بن غوريون رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول قد أمره بتطهير المدينة من العرب.
وكان رابين اعترف في مذكراته أن بن غوريون أمر رئيسه(يغئال ألون) في جلسة ثلاثية جمعتهما في مقر القيادة في بلدة يازور العربية المدمرة بتطهير مدينتي اللد والرملة. حينما سئل بن غوريون في الجلسة المذكورة عن مصير المدينتين عقب احتلال المنطقة حرّك يده بإشارة لضرورة طردهم”. وهذا ما أكده المؤرخ بيني موريس في كتبه عدة مرات آخرها كتاب ” حرب 1948 “. لكن المؤسسة الأمنية بدأت منذ سنوات بحجب مثل هذه الوثائق من الأرشيفات في محاولة للتستر على جرائم النكبة والحفاظ على الرواية النقية البطولية المزعومة كما أكدت ” هآرتس” قبل أسبوع.
مذبحة دهمش
لكن الشيخ فايق أبومنة( أبو وديع) من مدينة اللد لا يحتاج لاعترافات الصهيونية فذاكرته كانت حتى رحيله تختزن ما شاهدته عيناه وسمعته أذناه من مشاهد تقشعر لها الأبدان ويشيخ بفعلها الأطفال.
بقلب مكلوم داخل منزله في اللد استعاد الذكريات المرة فقال لنا عام 2006 داخل منزله في اللد :””
كنا نقيم في حي الأوردة في اللد وأصلنا من الرملة. كان في اللجنة القومية شخصيات من دار كيالي والحسيني والهنيدي والعلمي ودهمش وشموط…كنت أشارك بالحراسة مع بندقيتي بجوار بناية البلدية في مركز البلد بدلا من خالي عطا الله.
كما قال أبو وديع أن نحو 40 نفرا من أقربائه من اللد والرملة ويافا قد أقاموا داخل غرفتين ونصبوا خيمة في ساحتها وبقوا فيها بعد احتلال المدينة حتى داهم الجنود الإسرائيليين البيت وأخرجوهم عنوة وألزموا الرجال بالعمل في تنظيفات.
وتابع ” تركنا في البيت بعض النساء المسنات وسط بكائهن وبكائنا فما في اليد حيلة فتركناهن ونحن نبكي أيضا. كانت دوريات عسكرية تلف شوارع اللد بعد سقوطها وتدعو عبر مكبرات الصوت إلى مغادرة البلد وبالعربية: علشان ما يصيبكم ما أصاب من ذبحوا في مسجد دهمش….” وقال إن الجنود الصهاينة دخلوا من جهة الشرق وأمروا منادي المدينة خميس كركر بدعوة الناس إلى عدم التجول ثم الانتقال إلى وسط المدينة.
وتابع ” وفي ذاك اليوم أذكر قصة صبية عمرها 19 سنة وهي من جيرانا كانت تزوجت قبل عام ولها طفلة .أغلق اليهود عليها الباب في منزل مجاور واغتصبوها واحدا تلو الآخر فأصيبت بالجنون فخرجت مسرعة هاربة ملتحقة بالناس في منطقة مسجد دهمش ..أذكر اسمها لكن أفضل بقاء هويتها محجوبة”.
العمل بالسخرة
موضحا أنه عند مدخل مسجد دهمش سجل الإسرائيليون أسماء الشباب وأخرجوا النساء والأطفال ويدخلون العشرات إلى المسجد ويتابع ” ذهبنا كي يشملنا التسجيل. اعتقل الجنود الإسرائيليون الشبان منا وأجبروا البقية على ركوب السيارات والدواب ومغادرة المدينة نحو الشرق باتجاه رام الله بالصدفة مرت سيارة عسكرية فسأني جندي من ركابها وكان يعرفني بعدما عملنا اشتغلت معا في المطار بالماتورات فقال: ما أنتم فاعلون وأين عمك جميل أبو فؤاد وين أخوك وعندها طلب مني أروح لاستدعائهم وفعلا تم ذلك وصار عمي يشتم اليهود قدام الزابط غينسبرج..فأعطونا ورقة بالعبرية وطلبوا منا نعلقها على باب بيتنا وصاروا يخرجوننا إلى الشغل في التنظيف “.
ويروي أبو وديع أن الجيش الإسرائيلي اقتاده من بيته بعد أسبوع مع عشرة شبان عرب آخرين منهم شقيقه خليل وابن عمه أنطون أبو كامل الزين إلى مسجد دهمش.
وأضاف ” كانت الدنيا صيف. ما أن وصلنا روعنا مشهد غير إنساني لم اتخيله في أفظع كوابيسي.. كانت حوالي 70 جثة مكدسة داخل غرفة بجنبات صحن المسجد وكانت جدرانها ملطخة بالدم …والأرض بركة دم وعلامات الرصاص بادية في كل الجدران. كانت رائحة الجثث المتعفنة ملأت الفضاء ولما دخلنا الغرفة من جهة اليمين ذهلنا لمشاهدة كمية هائلة من جثث الناس الذين حشروا في غرفة ورموا بالنار”.
سيدة وتوأمان
فيما كانت تصغي زوجته بخشوع استرسل أبو وديع في فتح صناديق ذاكرته فتابع” الضحايا كانوا من الرجال عدا سيدة ارتدت لباسا فلاحيا بجنبها طفلتان في السابعة من العمر من القرى المجاورة… كنا نرفع الجثث على أكياس من الخيش وأحيانا كان ينسلخ اللحم عن العظم ولم نتمكن من التعرف على أحد لأن الوجوه كانت منتفخة”.
متكئا على عكازه وبعينين تطاير الشرر منهما بعدما أججتّهما الذكريات الساخنة وقف أبو منة قبالة مكان إضرام النار بالجثث داخل مقبرة اللد الإسلامية التي اصطحبناه إليها. استذكر بأسى وحسرة فقال” تم نقل الجثث بتعليمات الجيش إلى المقبرة بالسيارات وكان الجنود الصهاينة منعونا من دفن الجثامين وأجبرونا على حرقها عدا جثث السيدة والطفلتين التي تم دفنها في قبر جماعي في الركن الشمالي الشرقي للمقبرة.
جمعنا الأخشاب والأعشاب اليابسة في المقبرة وأمرونا بجلب القماش والملابس من المنازل المجاورة وتكديسها على الجثث… أذكر إنه وخلال بحثنا في المنازل المهجرة عن كل ما هو قابل للاشتعال وجدنا بدلة عروس أيضا بدت جديدة ولم ترتديها صاحبتها بعد. بللنا الجثث بالكاز وأضرمنا النار بها بعد أن ” نظفنا ” ملابس الموتى من الأدوات البسيطة كالسكاكين الصغيرة والفلوس والخواتم التي كانت معهن والتي أخذها الجنود طبعا وما هي لحظات حتى ارتفعت ألسنة اللهب نحو 20 مترا…”.
سورة الفاتحة
كما يروي أنه تم بعد ذلك اقتيادهم إلى الاعتقال لسجن في منطقة إجليل على ساحل البحر شمال مدينة تل أبيب وهناك سألهم أحد الجنود عما إذا كان واحد منهم يحفظ سورة الفاتحة فقام صديقه أبو كامل الزين( صاحب مطعم في رام الله اليوم) وتلاها قبل إضرام النار بالجثث.
وستذكر أنه سمع لاحقا من بعض الجنود اليهود ممن أقاموا في المدينة بعد سقوطها كيف أعدموا المواطنين في المسجد وكيف رجعوا بعد دقائق معدودة من المذبحة ونادوا بالعربية وكأنهم عرب جاءوا للنجدة : هل هناك جرحى ؟ وتابع” وقال الجندي إنه عندما نهض بعض الجرحى من بين أكوام الجثث حصدوهم بالنار ثانية”.
وتابع أبو منة ” عندما أنهينا حرق الجثث أخذونا بالسيارات على الدار ولم نجد ما نسد به جوعنا. اعتقلوا 33 شابا من اللد في الفوج الأخير وأنا معهم وثبتوا السلاح على صدورنا. وكان يعقوب بطشون معتقل معنا في معسكر إجليل وفي الأسر ولدت زوجته في أول يوم أسر فسمت الولد أسير بناء على طلبه قبل ما يعتقلوه…سموا زي ما أنا أسير قال لها “. ويقول أبو وديع إن رقمه في معتقل ” إجليل ” كان 7246 وإنه اشتغل في الحفريات ثلاثة شهور قبل نقله إلى صرفند ستة شهور فيما بقي شقيقه الكبير اندراوس في ” إجليل “.
لماذا هجرت الل والرملة وبقيت الناصرة ؟
سؤال مهم تكثر التفسيرات .. عدة أساب…وهذا لمناسبة أخرى
رابط قصير:
https://madar.news/?p=143847



