ثلاثة ضباع قتلت منذ بداية العام.. “أبو الجيَف” مهدد بالانقراض من برية فلسطين
في شهر كانون الثاني من العام الجاري، قُتلت ثلاثة ضباع في جنوب الضفة الغربية، بفعل حوادث دهس كانت متعمدة. أحدها تعرض للشنق حتى الموت بعد دهسه، ما يضع هذا الحيوان مجدداً في دائرة الخطر، خصوصا أن تقديرات أعداد الضباع في البرية الفلسطينية تشير إلى بقاء 300-400 ضبع فقط، الأمر الذي يشكل تهديداً للتنوع الحيوي.
وما يزيد من التهديد للضباع المعروفة بخجلها وخوفها من الإنسان، هو الأساطير الموروثة المتناقلة عبر الأجيال، والتي صورت الضبع على أنه حيوان مفترس وخطير. أساطير فتكت بالحيوان صاحب الدور الفعال في تنظيف البيئة من “الجيف”، والحفاظ على سمة تتميز بها طبيعة فلسطين، وهي التنوع.
وتترافق الثقافة الموروثة مع حالة من الضعف في ملاحقة قاتلي الحيوانات البرية، وسط مطالبات بخطة وطنية لرفع منسوب الوعي على مختلف المستويات لوقف النزيف الحاصل في المخزون البيئي، خصوصا أن خبراء البيئة ليس في فلسطين فقط، وإنما في العالم، يحذرون من إنقراض كل حيوان حجمه أكبر من حجم الأرنب.
الأساطير قتلت الضباع!
لعل الخطر الأكبر على الحيوانات البرية، خصوصا الضباع، هي الأساطير الموروثة المُشجعة على ملاحقة الضباع وقتلها، كما يرى بهجت جبارين مدير مكتب سلطة جودة البيئة في الخليل، على اعتبار أن الضبع يلاحق الإنسان ويفترسه، وهذا مغاير للحقيقة وفق جبارين الذي يشير إلى أن الضبع حيوان خجول وجبان بطبعه، فهو يعتمد بالأساس على حاسة الشم، وإذا ما لاحظ وجود الإنسان في محيطه على الأقل لمسافة 1800 متر، فإنه يلوذ بالهروب خوفا من ملاحقته، علما أنه لا يهاجم الإنسان إلا في حالات الدفاع عن النفس، أو إذا تعرضت جراؤه للخطر.
وعن أهمية الضبع الملقب بــ “أبو الجيف” في البيئة عموما، فهو يلعب دورا فريدا في الحفاظ على دورة الحياة الطبيعية من خلال التخلص على الجيف وبقايا الحيوانات النافقة، التي قد تكون مصدرا للأمراض، فهو صاحب دور فعال في الحفاظ على الصحة والبيئة. ويتغذى الضبع كذلك على الحيوانات البرية، ويخرج عادة في الليل ويعود إلى الكهوف مع بزوغ الشمس. ومن العلامات على وجود الخلل البيئي الحاصل في الطبيعة الفلسطينية هو تزايد أعداد الخنازير البرية لدرجة تواجدها قرب المنازل وتخريب محاصيل المزارعين، وهنا لو كانت الضباع موجودة لما شعرنا بالزيادة الكبيرة في أعداد الخنازير على سبيل المثال لا الحصر.
ومن العوامل الأخرى التي ضيقت الخناق على الضبع المرقط الموجود في فلسطين ومنطقة المتوسط، هو بناء الاحتلال الإسرائيلي جدار الضم والتوسع، وبناء المستوطنات والطرق الالتفافية، ما دفع بها إلى اللجوء للمناطق المأهولة بالسكان بحثا عن الطعام، وبالتالي أصبحت عرضة أكبر للقتل من قبل الإنسان. وحسب جبارين، فإن ثلاث حالات قتل لضباع سجلت في الشهر الأول من 2020 في جنوب الضفة الغربية، من خلال حوادث دهس متعمدة. مشيرا إلى أن الضباع تنزعج كثيرا من مصابيح المركبات وتتوقف في الطرقات لدى تسليط الأضواء عليها، وبالتالي تسهل عملية دهسها. في أحد الحوادث الثلاثة، تعرض ضبع للشنق والخنق حتى الموت بعد دهسه بمركبة. ولو تم إبلاغ سلطة جودة البيئة لكان هناك مجال للإنقاذ كما قال جبارين.
بالأدلة: الضبع حيوان مسالم وخجول
يتفق المدير التنفيذي لجمعية الحياة البرية في فلسطين عماد الأطرش مع مدير سلطة جودة البيئة في الخليل في أن الثقافة الموروثة حول حيوان الضبع أدت إلى تنامي عمليات قتله على مدار السنين والعقود الماضية. لكنه شدد على أن المعلومات المتداولة حوله خصوصا أنه يضبع الإنسان غير صحيحة بالمطلق. وأضاف: “بالنظر إلى خصائص الضبع، فإنه حيوان خجول ويخاف من الناس بشكل كبير، والدليل على أننا لا نراها نهارا. هو حيوان مسالم، ولا يهاجم البشر إلا تحت الخطر، وفي حالات استثنائية فقط، كأن يكون مسعورا أو مريضاً، أما الصفة السائدة له، فهي أنه وديع وغير مهاجم بطبعه”.
واستعرض الأطرش كيفية تعامل الناس مع الضباع في أثيوبيا. ففي مدينة هرر التاريخية شرقي البلاد، يعيش السكان بألفة معها، بل ويقيمون معها علاقة صداقة. ومع غروب الشمس، تقترب الضباع التي تعيش في المناطق الجبلية المحيطة بالمدينة، من الأهالي الذين اعتادوا على رمي الطعام لها. وفيما يكتفي بعض السكان بصداقة الضباع، يسعى قسم آخر لجذب السياح من خلال ملاعبة تلك الحيوانات المفترسة وإطعامها، لكسب المال.
ويدلل الأطرش على كلامه بحادثتين وقعتا معه شخصيا أثناء عمله في جمعية الحياة البرية، الأولى حينما وضع إصبعه في فم أنثى ضبع في منطقة العوجا قرب أريحا في شهر آب 2014. والثانية حينما قام بإسعاف ضبع وحمله في سيارته بمنطقة بيت كاحل بالخليل. وتابع حديثه مستذكرا الحادثة الأولى التي سجلت في شهر آب 2014: “لم أتصور يوما أنني سأمسك بحيوان الضبع حيا طليقا واضعا يداي في فمه”.
وفي تفاصيل عملية الإمساك بأنثى الضبع، قال الأطرش: “اتصل بي مزارع وهو احد أفراد الجمعية في أريحا، واخبرني أن مزارعاً قبض على ضبع في مكب نفايات العوجا، بعد نصب فخ حديدي له في المكب، هذا المزارع اتصل بعضو الجمعية ظناً أنه سيأتي ويطلق النار عليه، لكن الأخير اتصل بي الساعة الرابعة فجرا وذهبت مباشرة من بيت ساحور قاصدا العوجا. وصلت هناك وبدأت عملية إنعاشه، حاولت الإمساك برقبته وتجرأت بعد ثلاث محاولات، حينها أدركت أن الضبع أعطاني الأمان، ففتحت فمه لأسقيه قليلا من المياه لسد بعض احتياجاته الإنسانية، بعد ذلك قمنا بمعالجته، وإطلاقه للطبيعة مرة أخرى، قصته أثرت بي لدرجة كبيرة”.
مطالبات بحملة وطنية لجماية الضباع
ومع التحذيرات من انقراض كل حيوان أكبر من حجم الأرنب، تطالب جمعية الحياة البرية بحملة وطنية لزيادة التوعية بمخاطر انقراض الحيوانات من الطبيعة وأثر ذلك على الطبيعة والصحة بشكل عام. وبالتوازي مع ذلك ترى الجمعية أن التوعية بمفردها غير كافية، فيجب أن تقترن بعقوبات ومخالفات رادعة لقاتلي الحيوانات.
ورغم أن الصورة قاتمة، إلا أن هناك حالات نجاح سجلتها سلطة جودة البيئة في الخليل، آخرها كانت في الأسبوع الأخير من شهر شباط الماضي، حينما جرى إطلاق ضبع إلى البرية. عن الحادثة يقول بهجت جبارين: “صادرنا قبل سنوات ضبعا صغيرا من أحد المواطنين، وقمنا بتربيته ورعايته إلى أن أصبح بالغا، وأطلقناه في إحدى المحميات الطبيعية بالتعاون مع متحف التاريخ الطبيعي في جامعة بيت لحم”.
وبالتوازي؛ تحدث جبارين عن جهود للتوعية مع أئمة المساجد وطلبة المدارس، وتصميم برامج مختلفة هدفها تغيير الصورة النمطية عن الضباع، وأشار بذلك إلى شراكات مع جهات مختلفة منها بالإضافة لمتحف التاريخ الطبيعي، جمعية الحياة البرية ومركز التعليم البيئي.
وفي ظل عدم وجود أرقام دقيقة حول أعداد الضباع المتبقية في البرية الفلسطينية، تشير تقديرات جمعية الحياة البرية إلى وجود 300 – 400 ضبع، تستوجب الحماية والحفاظ عليها خوفا من انقراضها نهائيا. هذا الحال ليس في فلسطين وإنما في مختلف مناطق تواجد الضباع في حوض المتوسط وشمال إفريقيا. وإن ما ينشر من تعليقات داعية لقتل الضباع على مواقع التواصل الاجتماعي، أمر يتطلّب أخذ القضية على محمل الجد قبل فوات الأوان.
قتلت خلال شهر كانون ثاني الماضي ثلاثة ضباع في جنوب الضفة الغربية، بفعل حوادث دهس كانت متعمدة. أحدها تعرض للشنق حتى الموت بعد دهسه، ما يضع هذا الحيوان مجددا في دائرة الخطر، خصوصا أن تقديرات أعداد الضباع في البرية الفلسطينية تشير إلى بقاء 300-400 ضبع فقط، الأمر الذي يشكل تهديدا للتنوع الحيوي.
وما يزيد من التهديد للضباع المعروفة بخجلها وخوفها من الإنسان، هو الأساطير الموروثة المتناقلة عبر الأجيال، والتي صورت الضبع على أنه حيوان مفترس وخطير. أساطير فتكت بالحيوان صاحب الدور الفعّال في تنظيف البيئة من “الجيف”، والحفاظ على سمة تتميز بها طبيعة فلسطين، وهي التنوع.
فراس الطويل- خاص بآفاق البيئة والتنمية
رابط قصير:
https://madar.news/?p=169671



